Uncategorized
الدفع بالعملات المحلية: هل تأخر الخليج كثيرًا؟ بقلم د. خالد بن عبد الرحيم الزدجالي
الدفع بالعملات المحلية: هل تأخر الخليج كثيرًا؟
بقلم د. خالد بن عبد الرحيم الزدجالي
أثار اتفاق مصرف البحرين المركزي ومصرف الإمارات المركزي في أبريل 2026 اهتمامًا واسعًا، ليس فقط لقيمته، بل لما يحمله من دلالة أعمق: بداية تحرك خليجي محسوب نحو استخدام العملات المحلية في التجارة والتمويل. هذه الخطوة، رغم أهميتها، تبدو متأخرة إذا ما قورنت بحجم التكامل الاقتصادي المفترض داخل مجلس التعاون الخليجي، وحجم الاستثمارات والتبادل التجاري بين دوله، بل وبين الدول العربية عمومًا.
فعليًا، تمتلك دول الخليج مقومات تجعل هذا التحول ممكنًا بشكل شبه فوري: اقتصادات متقاربة، عملات مستقرة، أنظمة مصرفية متقدمة، واحتياطيات سيادية ضخمة تُعد من الأكبر عالميًا. كما أن التجارة البينية الخليجية والعربية ليست هامشية، بل تقوم على استثمارات بمليارات الدولارات في الطاقة، والعقار، والخدمات اللوجستية، والصناعة. ومع ذلك، ما زال جزء كبير من هذه التعاملات يمر عبر الدولار، ما يعني دفع تكاليف تحويل إضافية، وتعريض السيولة لمخاطر خارجية، وتسرب جزء من العوائد إلى النظام المالي الأمريكي دون ضرورة حقيقية.
في ظل الأزمات المتلاحقة—من جائحة COVID-19 إلى الحرب الروسية الأوكرانية—ظهرت هشاشة الاعتماد الكامل على الدولار، خاصة مع ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية وتأثيرها المباشر على اقتصادات الخليج. هذه الضغوط أعادت طرح سؤال قديم: لماذا لا تُفعّل الاتفاقيات النقدية العربية والخليجية التي وُضعت منذ عقود؟
وما وصل إلى الرأي العام من أبرز أسباب تعثر مشروع العملة الخليجية الموحدة بدأ عمليًا مع انسحاب الإمارات العربية المتحدة عام 2009، بعد قرار اختيار الرياض مقرًا للمصرف المركزي الخليجي، وهو ما كشف مبكرًا أن الخلاف لم يكن اقتصاديًا بقدر ما كان مرتبطًا بمسألة النفوذ ومراكز القرار. لاحقًا، برزت تساؤلات أعمق حول حجم السيادة النقدية التي ستتنازل عنها كل دولة، وآليات التصويت داخل البنك المركزي الخليجي، ومن يملك القرار النهائي في الأزمات المالية، إضافة إلى تفاوت الرؤى حول سرعة الانتقال إلى العملة الموحدة.
المفارقة أن الاتحاد الأوروبي نجح في إطلاق عملة موحدة رغم أنه كان يضم اقتصادات أكثر تعقيدًا وتفاوتًا من دول الخليج، ولديه اختلافات لغوية وسياسية وتاريخية أعمق بكثير. ورغم كل المخاوف الأوروبية المتعلقة بالديون والسيادة والتفاوت الاقتصادي، تم تقديم المصلحة الاقتصادية المشتركة باعتبارها أولوية استراتيجية. أما في الخليج والعالم العربي عمومًا، فقد بدا أحيانًا أن السياسة، وحسابات القيادة، وحساسية النفوذ، جاءت قبل الاقتصاد، رغم أن الحاجة الاقتصادية كانت—ولا تزال—أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
لكن هنا يبرز سؤال أكثر حساسية: هل التأخير مجرد مسألة اقتصادية، أم أنه انعكاس لعلاقات سياسية أوسع؟ تصريحات دونالد ترامب خلال فترات التوتر الأخيرة، والتي ربط فيها بين الدعم الأمني والتزامات الحلفاء، تعكس بوضوح أن الاقتصاد لا ينفصل عن السياسة في هذه المنطقة. فالتحالفات لا تُدار فقط بالاتفاقيات، بل أيضًا بتوازنات دقيقة تؤثر في القرارات المالية الكبرى.
وتتجلى هذه المعادلة بشكل أوضح عند النظر إلى ما يُعرف بـ“سلاح الدولار”. ففي خضم التوترات الإقليمية، برزت تقارير عن طلب الإمارات العربية المتحدة ترتيب خط سيولة بالدولار مع الولايات المتحدة كإجراء احترازي مرتبط بمخاطر الحرب واضطراب تدفقات النقد العالمي. ورغم أن الطلب في ظاهره فني، إلا أن دلالته أعمق: حتى الاقتصادات القوية ماليًا تجد نفسها، عند الأزمات، بحاجة إلى الوصول إلى الدولار عبر القنوات الأمريكية.
في المقابل، تُظهر أمثلة أخرى الوجه الأكثر صرامة لهذه المنظومة. فقد تم تقييد تدفقات الدولار إلى العراق، ومنع تحويلات تقارب 500 مليون دولار من عائدات النفط، في سياق ضغوط سياسية وأمنية. هذه الحالة لا تعكس مجرد خلاف اقتصادي، بل تؤكد أن التحكم في العملة يمكن أن يتحول إلى أداة تأثير مباشر على سياسات الدول.
ما بين طلب السيولة من جهة، ومنعها من جهة أخرى، تتضح معادلة دقيقة: الدولار ليس مجرد وسيط مالي، بل جزء من شبكة نفوذ عالمية يمكن استخدامها دعمًا أو ضغطًا بحسب السياق. وفي منطقة ترتبط بشكل عميق بهذا النظام، يصبح أي حديث عن استقلال نقدي أو تقارب مالي عربي أوسع محاطًا بحسابات تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن.
الأهم من ذلك أن دول الخليج اليوم لم تعد مجرد اقتصادات نفطية تقليدية، بل أصبحت لاعبًا ماليًا عالميًا. فهي تموّل مشاريع في مختلف القارات، وتدير صناديق سيادية عملاقة، وتؤثر في أسواق الطاقة التي لا يزال العالم يعتمد عليها بشكل كبير. كما أن تحوّل الشركاء التجاريين نحو آسيا—خاصة الصين والهند—يفتح الباب عمليًا لتوسيع استخدام العملات المحلية، ليس فقط خارجيًا بل داخل المنطقة نفسها.
المفارقة أن الخليج يمتلك كل عناصر القوة: المال، والاستقرار، والنفوذ، لكنه لا يزال يتحرك بإيقاع بطيء في ملف يمكن أن يعزز سيادته المالية بشكل مباشر. المشكلة لم تعد في الإمكانيات، بل في غياب القرار الموحد والجرأة التنفيذية، إضافة إلى قدر من التنافس الإقليمي الذي يعرقل أحيانًا مسارات التكامل.
في عالم يتجه تدريجيًا نحو تعدد العملات، تبدو دول الخليج في موقع استثنائي: هي الممول، والمستثمر، ومصدر الطاقة. ومن يملك هذه الأدوات، يملك القدرة على إعادة تشكيل قواعد اللعبة. لذلك، فإن التحول نحو استخدام العملات المحلية لم يعد خيارًا نظريًا، بل ضرورة استراتيجية يمكن تنفيذها تدريجيًا، دون صدام مباشر، ولكن مع إعادة تعريف موقع المنطقة في النظام المالي العالمي.
السؤال اليوم لم يعد: هل تستطيع دول الخليج فعل ذلك؟ بل: من يحدد سقف هذا التحرك… ولماذا؟



