Uncategorized
سوق ستة الحاج يوسف: سيمفونية الأصوات والعراق بقلم: علاء الدين محمد أبكر*

*سوق ستة الحاج يوسف: سيمفونية الأصوات والأعراق*
*بقلم: علاء الدين محمد أبكر*
هناك أسواق تُزار، وهناك أسواق تُعاش. وسوق ستة الحاج يوسف من النوع الثاني. هو ليس مجرد رقعة جغرافية في شرق النيل، بل هو كائن حي يتنفس بالباعة، وينبض بالمشترين، ويحلم بالملايين. هو الخرطوم مصغرة، والسودان مختصراً، والعالم الثالث كله في كيلومتر مربع. من لم يزر “ستة”، فقد فاته فصل كامل من كتاب السودان.
أولاً: الجغرافيا والتاريخ… كيف وُلد العملاق؟” الحاج يوسف” حي عريق سُمي على شيخ ورع سكن المنطقة قبل أن تزحف عليها المدينة. أما “ستة” فجاءت من “محطة ستة” في خط مواصلات شرق النيل القديم. نزل الناس هناك، فباع أحدهم الليمون، وفرشت أخرى الطماطم، ثم التحق بهم بائع العدة، وتبعهم جزار، فإسكافي، فتحولت المحطة إلى سوق.
كبر السوق مع كبر الحاج يوسف، ومع موجات النزوح من الحرب والجفاف. صار رئة يتنفس منها شرق النيل كله، من “دار السلام” إلى “المايقوما”. لا تخطيط هندسي، ولا مهندس معماري. السوق بنى نفسه بنفسه، مثل عش الدبور: فوضوي في الظاهر، لكن له نظام داخلي لا يفهمه إلا أولاد السوق.
ويعتبر سوق ستة من أكبر أسواق القارة الأفريقية من حيث الشهرة والحركة فاسمه تجاوز شرق النيل ليصل إلى أصقاع السودان كلها، بل إلى دول الجوار. تجده في حديث المغترب حين يحن، وفي ذاكرة التاجر حين يسافر. شهرته لم تأت من مساحته فقط، بل من روحه التي احتضنت كل قادم.
ثانياً: طبوغرافيا السوق… خريطة بلا خرائط ادخل السوق من أي جهة، ستجد نفسك في متاهة لذيذة. لكن لأولاد السوق خريطتهم السرية:
1. سوق الخضار: مملكة الطماطم والبصل والعجور.
2. سوق اللحم: “الجزارات” مصطفة، والذبائح معلقة. “أم فتفت” و”الكمونية” تلمع تحت شمس الضحى.
3. سوق العدة والملابس: من “حلة الألمونيوم” إلى “ثوب الهزاز”.
4. سوق “الكرور” والخرد: جمهورية منفصلة. الشعار: “كل شيء له زبون”.
5. مملكة “البوش والسمك وأم فتفت”: في أطراف السوق تنتصب “الرواكيب”.
ثالثاً: حلبة المصارعة… مسرح الرجال و”البرلمان الشعبي” حيث ضجيج السوق، وفي ساحاته الترابية، تنبت “حلبة المصارعة” كأنها مسرح روماني سوداني. العصر هو موعدها. يتجمع الرجال حلقةً واسعة، و”النحاس” يدق بعيداً. وينزل “الفُرّاس” إلى الحلبة.
هذه الحلبة ليست للفرجة فقط، بل هي “برلمان شعبي” مصغر. وأشهر من يديرون هذا البرلمان هم شيوخ الحلبة، على رأسهم العم كومي ذاك الرجل الذي يعرف المصارعين كما يعرف أخبار السوق كلمته مسموعة، وحكمه في النزال لا يُرد.
رابعاً: منبر الشيخ بشري… الوعظ وسط الزحام حيث لا يمكنك تجاهل خطب الشيخ بشري في الوعظ الديني في وسط سوق ستة. فبينما تدور المصارعة في ساحة، يصدح صوت “الشيخ بشري” من ركن ثالث، فوق “عنقريب” أو “صندوق ببسي” مقلوب بعمامته البيضاء وصوته الجهوري، يعظ في الأمانة في البيع، وينهى عن الغش في الميزان، ويذكر بالموت في قلب سوق يتصارع فيه الناس على الحياة. فصار الشيخ بشري “ضمير ستة”، وصار منبره علامة من علامات السوق، لا تكتمل الصورة بدونه.
خامساً: كوّة الأسماك… قبلة العارفين حيث
يقول أهل السوق: “لا معنى لزيارتك لسوق ستة بدون الوصول إلى كوّة للأسماك”. في زقاق ضيق تفوح منه رائحة “القرقور” و”العجل” المقلي، تجد “كوّة” متربعاً على عرشه. عنده لا تشتري سمكاً فقط، بل تشتري تجربة. “كوّة” ليس مطعماً، بل هو “سفارة السمك” في جمهورية ستة.
سادساً: محطاتي الشخصية عندما أدخل السوق أحرص على زيارة أماكن بعينها، هي محطاتي التي أبتدئ بها جولاتي في سوق ستة:
1. أول ما أعرج عليه هو مشتل الزهور الخاص بالأستاذة منى، الخبيرة في الزراعة. أزورها للاطلاع على الجديد من الزهور والأشجار التي وردت للسوق. مشتلها واحة خضراء وسط غبار السوق.
2. ثم أمر على صديقي الشيخ ياسين، تاجر البصل. وقد أطلقت عليه لقب “الرجل المتعدد المواهب”، إضافة إلى لقب “أبا المسك”، وهو لقب كان يخص كافور الإخشيدي حاكم مصر في عصر سابق. يستحقه الشيخ ياسين لأن مجلسه عامر بالحكمة والطرفة.
3. ولا تكتمل الجولة إلا بالمرور على صديقي الفاضل تاور، الرجل الفاضل الخبير في صيانة أجهزة الهاتف المحمول والحواسيب. دكانه الصغير هو “مستشفى” الهواتف، ويده تشفي أعطاها.
4. ثم أمر على صديقي هيثم الجزار، أشهر جزار في سوق الكمونية وأشهر بائع كمونية في سوق ستة كله. قدرته تفور من الفجر، وساطوره لا يهدأ، واسمه صار مرادفاً للكمونية. إذا قيل “كمونية ستة” قالوا “كمونية هيثم”. زبائنه يأتون من آخر شرق النيل، ويصطفون بالساعات. يجمع بين براعة الجزار في اختيار “الكرشة” و”المصارين” وبين نفس الطباخ الذي يعرف سر “التقلية” و”الشطة”. هو إمبراطور صغير في مملكته، والزحمة على صحنه دليل سلطانه.
5. وأختم محطاتي عند العم تجاني الذي يعمل في صيانة الدراجات الهوائية. تحت ظل دكانه وبين “الجنازير” و”اللستك”، يجلس العم تجاني كأنه حكيم الزمان. يصلح الدراجة، ويصلح معها خاطر صاحبها بكلمة طيبة.
تلك هي محطاتي الخمس. بها أبدأ، وبها آخذ “بركة السوق”. فالسوق ليس بضاعة فقط، بل وجوه نألفها، وقلوب نحبها.
سابعاً: سوق ستة هو السودان المصغر، بل هو أفريقيا المصغرة. فيه النوباوي بلكنته، والفوراوي بسكينه، والشايقي بطيبته، والرباطابي بجلابيته، والحلفاوي بصرامته. وفيه الجنوبي الذي بقي، والحبشي الهارب من الحرب، والسوري الباحث عن رزق وتجد جنسيات أفريقية تعمل فيه من سنين طويلة، خاصة من غرب أفريقيا. بالتحديد في حياكة القمصان الأفريقية التي تُعرف بـ”الكنغولي”. هناك التقيت بحايك عرّف نفسه أنه من دولة غانا التي تقع في غرب أفريقيا، وأنه حضر للسودان منذ مطلع ثمانينيات القرن المنصرم. مكينته “السينجر” قديمة، لكن يده تصنع لوحات من القماش المزركش وبما أني من هواة المعرفة، طرحت عليه سؤالاً عن معنى اسم “كوفي” الذي يتردد كثيراً عند أهل غانا، مثل الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق كوفي عنان، ونجم نادي المريخ السوداني كوفي، وغيرهم. فأنا أريد معرفة ماذا يعني “كوفي”. فرد عليّ مبتسماً: “معنى كوفي لدينا يعني الشخص المولود يوم الجمعة”. فالاسم عندهم تقويم، وتاريخ ميلاد معلق في الرقبة وإضافة إلى الأفارقة، تجد تجاراً من قارة آسيا، بالتحديد من الهند وباكستان جاءوا بالتوابل والبخور والأقمشة الحريرية. تراهم في دكاكين العطارة، ورائحة “الكركم” و”الهبهان” تفوح من بضاعتهم. صاروا جزءاً من نسيج السوق، يتكلمون الدارجة السودانية بلكنة “بومباي”، ويشاركون الناس أفراحهم وأتراحهم. فـ”ستة” لم تكن سوقاً سودانياً فقط، بل كانت ميناء برياً تلتقي فيه القارات.
الكل يبيع ويشتري، ويتشاكل ويتصالح بلهجة “أولاد السوق” التي لا تعرف قبيلة. هو سيمفونية حقيقية: نشازها نظام، وضجيجها موسيقى، واختلافها ائتلاف.
ثامناً: خلال فترة الحرب، عملت في بيع المياه عبر الدرداقة، الشيء الذي أتاح لي معرفة السوق عن قرب، فقد كانت تجربة مفيدة فالدرداقة مدرسة لا تُدرس في الجامعات تجرك من زقاق إلى زقاق، ومن “راكوبة” إلى “راكوبة”. تعرف من يشتري “جك” كاملاً ومن يطلب “كوزاً” واحداً. تعرف من يعطيك زيادة ومن يفاصل في “التعريفة”. تعرف الوجوه حين تكون مرهقة من الشمس، وتعرف القلوب حين تعطيك شربة ماء بلا مقابل.
في الحرب، حين صمتت العربات وتوقفت الحياة، بقيت الدرداقة تدور. عرفت حينها أن السوق ليس دكاكين فقط، بل هو أرجل تمشي، وأكتاف تحمل، وحناجر تنادي. عرفت معنى “الرزق الحلال” وهو يقطر عرقاً من الجبين. وعرفت أن سوق ستة لا يموت، لأنه محمول على أكتاف البسطاء. تلك التجربة علمتني السوق أكثر من ألف زيارة، وصارت شهادتي أن “ستة” تُعاش ولا تُوصف.
تاسعاً: “السوق محراكة مال”، “الما بعرفك بجهلك”، “سوق ستة، يا تشيل يا تُشال”.
*عاشراً: 1.*
*اقتصاد الأزمات:* هو رئة الفقراء.
2. *الديمقراطية الحقيقية:* “البرادو” تقف جوار “الكارو”.
3. *الصمود:* ضربته السيول والحرائق والحرب، لكنه ينهض لأن الناس لا بد لها أن تأكل.
*خاتمة:
سوق ستة ليس جميلاً بمقاييس المولات. فيه الغبار، والزحام، والضجيج. لكن فيه الحياة خاماً بلا رتوش. فيه حلبة المصارعة التي يديرها “شيخ عبد الله”، وفيه منبر “الشيخ بشري” الذي يذكر بالله، وفيه “كوّة” الذي يطعم الأرواح، وفيه “منى” و”ياسين” و”الفاضل” و”هيثم سلطان الكمونية” و”تجاني”… وفيه الحايك الغاني، والتاجر الهندي. وفيه أنا، بدرداقتي التي علمتني معنى السوق.
فإذا مررت بشرق النيل، فمل على “ستة”. تفرج في الحلبة، واسمع موعظة الشيخ بشري، وسلّم على الأستاذة منى، واشرب شاياً مع “أبا المسك”، وأصلح هاتفك عند الفاضل، وتغدى كمونية عند هيثم الجزار أشهر جزار في سوق الكمونية، “كنغولي” عند الحايك الغاني، ثم اختم بصحن سمك من “كوّة”. وإن عطشت، فتش عن درداقة، فربما كنت أنا الذي يسقيك.
وقتها فقط ستفهم لماذا يقول أهل الحاج يوسف بفخر: “نحن أولاد ستة، ما بنخاف من تكة”.
لأن السوق الذي يعزف سيمفونية الأصوات والأعراق، من الخرطوم إلى أكرا إلى بومباي، وتسير فيه الدرداقة وقت الحرب، لا يموت.
*علاء الدين محمد أبكر*
alaam9770@gmail.com



