Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني القضارف… الولاية التي جمعت آباءنا من الأرصفة وأعادتهم إلى الحياة

من أعلي المنصة
ياسر الفادني
القضارف… الولاية التي جمعت آباءنا من الأرصفة وأعادتهم إلى الحياة
هناك أشياء تُكتب بدمعةٍ ساخنة تسقط من قلبٍ رأى الإنسانية تمشي على قدمين!
وما رأيته في ولاية القضارف جعلني أمتطي قلمي لا لأكتب خبراً او أمجد شخصا ، بل لأوثق موقفاً أخلاقياً وإنسانياً عظيماً يستحق أن يُعلّق في ذاكرة الوطن
في زمن الحرب القاسية التي أشعلتها دويلة الشر، تلك الحرب التي لم تكتفِ بإحراق البيوت، بل مزقت الأسر، ودفعت بالشيوخ والعجزة إلى الشوارع، خرجت وزارة الرعاية الاجتماعية بالقضارف لتقول إن الإنسان السوداني لا يزال بخير، وإن الرحمة لم تمت بعد.
ما قامت به وزارة الرعاية الاجتماعية هناك…. كان حضناً كبيراً فتح أبوابه لمن أغلقت الدنيا في وجوههم. فاقدو الإيواء من كبار السن، أولئك الذين سحقتهم الحرب وأضاعوا أبناءهم وأسرهم، كانوا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، بعضهم يتوسد حجراً لينام، وبعضهم يطارد رغيفاً يسكت به جوعه، وبعضهم يأكله المرض بصمتٍ قاسٍ دون أن يجد من يناوله جرعة دواء أو حتى كلمة رحمة
لكن القضارف رفضت أن تتركهم نهباً للبرد والجوع والضياع.
أكثر من ستمائة من فاقدي السند تم جمعهم وإيواؤهم بصورة تليق بكرامة الإنسان، بصورة تقول إن المسلم يُكرم حياً وضعيفاً ومحتاجاً، لا أن يُترك على قارعة الطريق يسأل الناس إلحافاً: أعطوه أو منعوه.
والله إن المشهد يهز الروح…
شيوخ أنهكتهم الحياة وجدوا سريراً نظيفاً بعد أرصفة الشوارع.
وجوهاً أرهقها الذل وجدت من يمسح عنها غبار الحاجة.
أناساً فقدوا كل شيء، لكنهم في القضارف وجدوا وطناً صغيراً يعيد إليهم الشعور بأنهم بشر لهم قيمة.
هذا العمل يُحسب مضيئاً لحكومة الولاية و لجنرالها، ولوزارة الرعاية الاجتماعية ممثلا في وزيرة الرعاية الإجتماعية التي لم التق بها وربما تعرفني او لا ، وكذلك كل العاملين في هذا الملف الإنساني النبيل، الذين لم ينظروا إلى هؤلاء كأرقام أو حالات، بل كآباء وأمهات يستحقون الحياة الكريمة.
ولأن الحديث عن القضارف لا يشبه أي حديث آخر، فإن هذه الولاية كل يوم تعلمنا درساً جديداً في الأخلاق.
حين ذهبنا إليها نازحين، لم نشعر لحظة أننا غرباء.
وجدنا البيت قبل السؤال، ووجدنا الأخ قبل المعرفة، ووجدنا الطبيب قبل الوجع.
القضارف لا تستقبل الناس… القضارف تحتضنهم
ولذلك فإن ما تقوم به اليوم ليس مجرد مشروع إيواء، بل رسالة إنسانية تقول لكل الولايات:
هكذا يكون احترام الإنسان.
هكذا تُصان الكرامة.
هكذا يُكرم عزيز قومٍ ذل.
لكن، وبرغم هذا الضوء الكبير، يبقى في النفس شيءٌ من مرارة…
مرارة أن يصل آباؤنا وأمهاتنا إلى هذه المرحلة من الضياع.
مرارة أن تدفع الحرب بالشيوخ إلى الشوارع.
مرارة أن يصبح بعض الناس بلا سقف يأويهم ولا يدٍ تربت على أكتافهم
إني من منصتي أنظر…..حيث أري….
وسط هذا الخراب كله، خرجت القضارف كأنها أمٌّ سودانية كبيرة، تجمع أبناءها المتعبين من الطرقات، وتقول لهم:
تعالوا… هنا ما زالت الرحمة تسكن أرض القضارف .

