Uncategorized
علاء الدين محمد ابكر يكتب: عنترة جمع بين قوة الذراع وبلاغة اللسان وعزة النفس

علاء الدين محمد ابكر يكتب: عنترة جمع بين قوة الذراع وبلاغة اللسان وعزة النفس
لو قدر لعنترة بن شداد أن يعيش في زماننا هذا، لكان زعيم حركة تحر مثل تشي جيفارا. في اعتقادي أن عنترة تعرض لظلم مجتمعي عظيم بسبب لونه الأسود، فالعبودية كانت أمراً مشاعاً في ذلك الزمان، لكن نفس عنترة أبت الخضوع، فرفض أن يكون عبداً بالروح حتى وإن كان عبداً بالاسم.
لم يكتف عنترة برعي الإبل، بل جعل من الخلاء ميدان تدريب. كان يتدرب على استخدام السيف والرمح بالعصا، ويستفيد من الرعي في بناء جسده ونفسه على الصبر والتحمل. فعنترة لم يظهر فجأة كفارس، وإنما صنع نفسه بنفسه. كان يمارس ما نسميه اليوم بالتعليم الذاتي، لم يذهب إلى مدرب مبارزة، ولم يجلس في مدرسة رسمية، لكنه تعلم من الحياة ومن الممارسة اليومية. ومعروف أن الرعي من أفضل الرياضات التي تمنح الإنسان قوة بدنية وقوة تحمل نفسية.
وبجانب الفروسية، اكتسب عنترة مهارة الشعر. كان يسترق السمع عند مجالس سادة قبيلته عبس، يلتقط الكلمة، ويحفظ الوزن، ويبني لغته. هنا طبق عنترة مبدأ التعلم عن بعد، وهو الأسلوب الذي صار اليوم جزءاً من منظومة التعليم. فتجد الآن قنوات ومحطات إذاعية تقدم دروساً لمن لا يستطيع الحضور، وهناك من تعلم منها الكثير. وحتى أجهزة الحاسوب والإنترنت تحمل نفس الفكرة، فالعلم صار لمن يريده، لا لمن يملك وساطة أو مالاً.
لكن عنترة لم يتوقف عند تعلم الفروسية والشعر. مارس دور المدافعة عن حقوق الإنسان قبل أن يخترع العالم هذا المصطلح. قام بتحرير نفسه أولاً، ومارس السياسة بدهاء. فعندما احتاجه قومه بنو عبس لينضم إليهم في الدفاع عن مضارب القبيلة ضد غارة معتدية، رفض بأسلوب الساخر الحكيم. قال لهم: إن العبد لا يحسن القتال، وإنما يحسن الحلب والصر ورعي الغنم. كأنه يسخر منهم ويذكرهم بعنصريتهم.
لكن عندما صاح أبوه شداد، الذي كان لا يعترف به، قائلاً: يا عنترة كر وأنت حر، سرت روح الحرية في عروقه. امتشق سيفه، واندفع وحده فجندل فرسان القبيلة المعتدية وهزمهم. كانت لحظة تحول، لحظة أعلن فيها أن الحرية لا تمنح، وإنما تؤخذ.
وشعر عنترة نفسه كان ترجمة لهذه الروح. يقول في الفخر والشجاعة:
> أنا الهجين عنترة
> كل امرئ يحمي حماه
> وأنا الذائد عن حمي
> عبلة بالموت حياه
> وأنا أغشى الوغى
> وأعف عند المغنم
وفي عزة النفس ورفض الظلم يقول كلمات تصفع كل من رضي بالهوان:
> حكم سيوفك في رقاب العزل
> وإذا نزلت بدار ذل فارحل
> وإذا بليت بظالم كن ظالما
> وإذا لقيت ذوي الجهالة فاجهل
هذه الأبيات وحدها تكفي لتكون دستوراً للثائر. فيها رفض للذل، ودعوة للرحيل عن أرض الظلم، وتحذير من مسايرة الجهلة والظالمين. عنترة لم يكن يطلب العفو، بل كان يطلب العدل، فإن غاب العدل فالسيف والرحيل أولى.
عنترة ظاهرة تستحق الدراسة في كل عصر. هو ليس مجرد فارس مر على الزمان، وإنما أيقونة للدفاع عن الحرية، ورفض الظلم، ونموذج للطموح والتعلم من الحياة. مدرسة في الحكمة والدهاء والصبر والسياسة.
وأنا من أشد المعجبين بعنترة الذي تعرض للظلم عبر التاريخ. فتجد في بعض الأزمان من ينصب المتنبي كأفضل شاعر عربي، لكن في اعتقادي أن عنترة بن شداد أفضل منه. المتنبي شاعر مغرور يكثر مدح نفسه، ولم يمارس الفروسية إلا على الورق، وسقط عند أول مبارزة. أما عنترة فهو شاعر السيف والكلمة والشجاعة معاً، رجل جمع بين قوة الذراع وقوة البيان، وبين عزة النفس ورفض الذل.
والمتنبي رغم ما عليه من مآخذ، كان له نصيب من شعر الفخر والعزة الذي يهز النفس. يقول:
> الخيل والليل والبيداء تعرفني
> والسيف والرمح والقرطاس والقلم
> أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
> وأسمعت كلماتي من به صمم
فهذا بيت يختصر ثقته بنفسه واعتزازه بشعره وفروسيته، حتى لو كان فخره أقرب إلى الغرور منه إلى التجربة العملية في الميدان.
هكذا تكون الثورة الحقيقية: أن تثور على واقعك أولاً، أن تتعلم بنفسك، أن ترفض أن تعرف بغير ما أنت عليه، وأن تقول للظلم لا، ولو كنت وحدك في الميدان. وعندها تصبح مثل عنترة، شاعراً بالسيف والكلمة، وتكون عزة النفس هي عنوانك، والشجاعة هي طريقك.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



