Uncategorized

من أعلى المنصة ياسر الفادني أصبحت لاحِسْني عِجِل !

من أعلى المنصة

ياسر الفادني

أصبحت لاحِسْني عِجِل !

يحكي ظريف مدينتنا، وهو رجل إذا روى أضحك، وإذا بالغ صدقناه من شدة طرافته، أنه بات ذات ليلة في إحدى القرى، وكان طويل القامة إلى درجة أن (الملاية) دخلت في حيرة: إن غطت وجهه كشفت رجليه، وإن غطت رجليه تركت وجهه في مهب الريح، فاختار أن ينام وقد بقيت قدماه خارج حدود السيادة!
وما إن استسلم للنوم، حتى جاء عجل صغير، يبدو أنه كان في مهمة عجلية رسمية ، وأخذ يلحس باطن قدميه، ينهض صاحبنا ويزجره، فينسحب العجل مؤقتاً، ثم يعود وكأنه يحمل تفويضاً بمواصلة اللحس. ظل الحال كذلك حتى الصباح، فلا نوم استقر، ولا عجل اقتنع!
وعندما جاء صاحب الدار بالشاي وسأله: (كيف أصبحت يا شيخ العرب؟)، أجابه وهو يفرك عينيه: (أصبحت… لاحسني عجل!)!!
والحقيقة أننا هذه الأيام جميعاً أصبحنا مثل صاحبنا… لكن العجل هذه المرة اسمه الميديا،
كل مساء تفتح هاتفك، فإذا بك أمام قافلة من الأخبار المفزعة: فلان أُقيل، وعلان استقال، وذاك غادر غاضباً، وآخر عاد منتصراً، وكل خبر يجر وراءه مئة محلل وألف خبير وعشرة آلاف تعليق، بينما الحقيقة ما زالت تبحث عن كرسي تجلس عليه.
آخر التقليعات أن كامل إدريس قيل إنه أُقيل، وقيل إنه غادر مغاضباً، وقيل ما قيل… دون بيان رسمي يؤكد أو ينفي، وقبلها حدث الأمر نفسه عندما زار دولة أجنبية، فاشتغلت مصانع الإشاعات بكامل طاقتها، ثم تبخر كل شيء وبقيت الحقيقة تضحك في الزاوية

إن ذهب كامل إدريس، فالدولة لن تغلق أبوابها، وسيجلس غيره على الكرسي. وإن بقي، فسيواصل عمله ، أما أن تتحول كل إشاعة إلى زلزال سياسي، فهذه هواية سودانية تستحق التسجيل في موسوعة الطرائف

المصيبة ليست في الخبر، وإنما في هواة النفخ فيه، الذين يحولون الهمسة إلى عاصفة، والاحتمال إلى حقيقة، والتخمين إلى بيان رسمي، هؤلاء لا يكتفون بلحسة العجل، بل يحاولون إقناعك بأنها زلزال بدرجة عشر على مقياس ريختر
ولأن بعض الناس لا يتعلمون إلا بالطريقة الصعبة، تذكرت حكاية الرجل الأصلع الذي صدّق من قال له إن لحسة البقرة تنبت الشعر، ذهب يبحث عن بقرة، فلما وجدها لم تلحس صلعته كما تمنى… بل نطحته حتى انتهى به المطاف في العناية المكثفة، ولم يخرج منها بشعر، وإنما بضمادات!

وهكذا هي الإشاعات… تبدأ بلحسة عجل تثير القلق، فإذا صدقتها وركضت خلفها، ربما انتهت بك إلى نطحة بقرة لا تُبقي ولا تذر
لذلك، قبل أن تعيد إرسال أي خبر، اسأل نفسك: هل هو حقيقة أم مجرد عجل يبحث عن قدم جديدة يلحسها؟.

مقالات ذات صلة

إغلاق