Uncategorized

فراق بطعم الحنظل بقلم د. مكي الطيب

بسم الله الرحمن الرحيم
(إنه لفراق آخر)
على أرجح الروايات ما قيل عن جبريل عليه السلام:«يا محمد، لو كانت عبادتنا لله تعالى على وجه الأرض لعملنا ثلاث خصال: سقي الماء للمسلمين، وإعانة أصحاب العيال، وستر الذنوب على المسلمين».
رحم الله مجدوب كسلا… عاشق بابور الماء، العاشق الذي ترك معشوقته ورحل.
ألا رحم الله مجدوب كسلا رحمةً واسعة، ذلك الرجل الذي عاش بين الناس هادئًا، نقيّ السيرة، لم نسمع عنه إلا الخير، ولم يُعرف عنه يومًا أنه خاصم أحدًا أو حمل في قلبه ضغينةً لإنسان. عاش بسيطًا، ومات هادئًا، وكأنما أراد أن يترك الدنيا كما عاش فيها… بلا ضجيج ولا خصام.
لكن لمجدوب حكاية أخرى، حكاية عشقٍ من نوعٍ خاص… عشق العمل والانتماء للمكان.
كان مسؤولًا عن تدوير بابور الماء في مدينة الحوش، وكان ذلك البابور بالنسبة له أكثر من مجرد آلة أو وظيفة؛ كان عالمه الذي أحبه، ومكانه الذي ألفه، ومعشوقته التي ظل وفيًا لها سنوات طويلة.
كان تراه هناك ليل نهار، في حر النهار وسكون الليل، لا يمل ولا يتذمر، وكأن صوته وحركته أصبحا جزءًا من نبض حياته.
لم يكن يؤدي عمله لأنه مجرد مصدر للرزق، بل كان يؤديه بعشق المحبين وإخلاص العاشق لمعشوقه. ولذلك كان وجوده في ذلك المكان جزءًا من هويته وذاكرته وحياته.
ثم جاءت الحرب اللعينة…
ففرّ الناس من ديارهم، وتفرقت الأسر، وتشرد الأحبة، وأصبح كل إنسان يقول: نفسي… نفسي.
وتباعدت المسافات، وابتعد مجدوب عن الحوش، وعن بابور الماء، وعن المكان الذي كان يجد فيه نفسه ويقضي فيه أيامه ولياليه.
وهنا بدأت النكسة الحقيقية…
فليس كل مرضٍ تسجله المستشفيات، وليس كل وجعٍ يظهر في التحاليل. هناك أمراض تسكن القلب، وأوجاع تصيب الروح حين يُنتزع الإنسان من المكان الذي أحبه، ومن الحياة التي اعتادها، ومن الشيء الذي كان يمنحه إحساسه بقيمته ووجوده.
ابتعد مجدوب عن معشوقته… فربما لم يحتمل القلب الفراق.
ومع الأيام تأثرت صحته، وتراجع الجسد، وبقيت في داخله صورة الحوش وبابور الماء وذكريات العمر الجميل.
ثم كانت النهاية في أرضٍ بعيدة… في المملكة العربية السعودية.
وهكذا هي الدنيا؛ نعيش في مكان، ونحب مكانًا، ونظن أن خاتمتنا ستكون بين أهلنا وفي ترابنا الذي ألفناه، ثم تأتي ساعة الرحيل فلا نملك منها شيئًا.
قال تعالى:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
رحم الله مجدوب، ورحم قلبه الذي ظل متعلقًا بمكانه وعمله حتى آخر الطريق.
رحم الله ذلك الرجل البسيط الذي لم يطلب من الدنيا كثيرًا، ولم يؤذِ أحدًا، وعاش يؤدي عمله بإخلاص المحبين، ثم رحل في هدوء كما عاش في هدوء.
اللهم إن كان قد أحسن فزد في إحسانه، وإن كان قد أساء فتجاوز عن إساءته، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واجمعه بمن يحب في دنياه. واجعل إخلاصه في عمله وشهادة الناس له بالخير شاهدين له لا عليه واجعل أخرته خيراً من دنياه.
إنا لله وإنا إليه راجعون. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(مكي الطيب )

مقالات ذات صلة

إغلاق