Uncategorized
تغيير العملة وإسقاط الأصفار في السودان– هل نعيد ترتيب الأرقام أم نعالج أزمة النقد؟

تغيير العملة وإسقاط الأصفار في السودان– هل نعيد ترتيب الأرقام أم نعالج أزمة النقد؟
زهير عثمان حمد
ثمة فرق كبير بين أن تغيّر الدولة شكل العملة، وأن تغيّر واقعها الاقتصادي , قد تصبح الورقة النقدية أكثر أمانًا، وقد تُسحب الطبعات القديمة من التداول، وقد تُستبدل الأرقام الكبيرة بأرقام أصغر عبر حذف ثلاثة أصفار، لكن ذلك كله لا يعني بالضرورة أن الجنيه السوداني استعاد قيمته- فالعملة ليست الورقة التي نحملها في الجيب فقط، وإنما هي أيضًا ثقة في الاقتصاد، وقدرة على الإنتاج، واستقرار في الأسعار، ونظام مصرفي قادر على أداء وظائفه
من هنا يأتي السؤال الحقيقي في السودان اليوم– هل يمثل تغيير العملة خطوة في طريق إصلاح النظام النقدي، أم أننا نعيد ترتيب الأرقام بينما تظل الأزمة التي صنعت هذه الأرقام على حالها؟
السؤال ليس نظريًا – فقد دخل السودان بالفعل في عملية واسعة لاستبدال بعض فئات العملة. ففي أبريل 2026 أعلن بنك السودان المركزي بدء المرحلة الثانية من استبدال فئتي الألف والخمسمائة جنيه من الطبعات القديمة في الخرطوم والجزيرة وبعض محليات النيل الأبيض، مع طرح طبعات جديدة من الفئتين، وربط عملية الاستبدال بإيداع الأموال في الحسابات المصرفية وتشجيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني , وانتهت هذه المرحلة في 15 مايو 2026، فأصبحت الفئتان القديمتان غير مبرئتين للذمة في الولايات المشمولة، بينما ظلت سارية في الولايات التي لم تدخلها العملية بعد
وهذا يعني أن علينا منذ البداية أن نفرق بين قضيتين تختلطان في النقاش العام- استبدال العملة من جهة، وحذف الأصفار من جهة أخرى
استبدال العملة يستهدف الأوراق الموجودة فعليًا في التداول، لأسباب تتعلق بالتزوير، وأمن العملة، وتنظيم الكتلة النقدية، وإعادة جزء من السيولة إلى النظام المصرفي. أما حذف الأصفار فهو تغيير في الوحدة الحسابية للعملة؛ فإذا حُذف ثلاثة أصفار مثلًا، فإن ألف جنيه قد يصبح جنيهًا جديدًا، لكن السلعة التي كانت قيمتها ألف جنيه لن تصبح أرخص لمجرد تغيير طريقة كتابة سعرها
بمعنى آخر: حذف الأصفار يغيّر وحدة القياس، ولا يخلق وحده قوة شرائية جديدة , وهنا تكمن أهمية النقاش.
لماذا احتاج السودان إلى تغيير العملة؟
الحرب منذ أبريل 2023 لم تدمر قطاعات واسعة من الاقتصاد فحسب، بل أصابت النظام النقدي والمصرفي نفسه. وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الاقتصاد السوداني انكمش بأكثر من 40% منذ اندلاع الحرب، وأن نحو ثلث الشركات أُغلق، فيما أدت الحرب إلى تعطيل النشاط الاقتصادي وتشريد ملايين السودانيين
في مثل هذه البيئة، يصبح النقد الورقي أكثر من مجرد وسيلة للدفع. فهو يتحرك خارج المصارف، ويُستخدم في اقتصاد غير رسمي واسع، وتزداد صعوبة تتبع السيولة، بينما تؤدي الحرب وتعطل الإنتاج والتجارة إلى ضغوط مستمرة على الأسعار وسعر الصرف
ولهذا ربط بنك السودان عملية الاستبدال أيضًا بإيداع الأموال في الحسابات المصرفية، وفتح الحسابات لمن لا يملكونها، وتشجيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني. أي أن المسألة، وفق الخطاب الرسمي، لا تتعلق فقط بتغيير الأوراق، وإنما بمحاولة إعادة جزء من النشاط النقدي إلى الجهاز المصرفي
وهذه نقطة مهمة؛ لأن استعادة قدرة البنوك على العمل تمثل جزءًا من استعادة قدرة الاقتصاد نفسه على العمل , لكنها ليست كل القصةماذا يستطيع تغيير العملة أن يفعل؟
يمكن لاستبدال الأوراق القديمة أن يؤدي وظائف مهمة , أولها تقليص تداول بعض الفئات التي أصبحت عرضة للتزوير أو خرجت عن السيطرة النظامية
وثانيها مساعدة السلطات النقدية على معرفة جزء من الأموال الموجودة خارج الجهاز المصرفي، خصوصًا عندما يكون الاستبدال مرتبطًا بالإيداع في الحسابات
وثالثها توفير فرصة لتوسيع الشمول المالي، وإدخال أشخاص كانوا يعتمدون على النقد فقط إلى النظام المصرفي
ورابعها تسريع الانتقال إلى وسائل الدفع الإلكتروني، وهو اتجاه أصبح أكثر أهمية في ظل اضطراب شبكة المصارف والنقد الورقي وفي أبريل 2026 أعلن بنك السودان كذلك عن طرح مناقصة لتنفيذ نظام المدفوعات الفورية القومي، في إطار تطوير البنية التحتية للمدفوعات
لكن كل هذه الوظائف، مهما كانت أهميتها، لا تعني أن استبدال العملة يعالج تلقائيًا التضخم أو انهيار سعر الصرف , فالعملة الجديدة لا تنتج قمحًا، ولا تعيد مصنعًا إلى العمل، ولا تعيد الصادرات إلى مستوياتها السابقة، ولا تنهي الحرب، ولا تعيد الثقة بالمصارف بمجرد تغيير الورقة النقدية
وماذا عن حذف الأصفار؟
هنا يدخل النقاش إلى منطقة مختلفة , حذف الأصفار يمكن أن يجعل الحسابات أسهل، ويقلل عدد الأرقام في الفواتير والدفاتر والأنظمة المحاسبية، ويجعل التعامل مع الأسعار والأجور أقل تعقيدًا , لكن فائدته الحقيقية تتوقف على السياق الذي يجري فيه.
فإذا كان التضخم قد استقر، وسعر الصرف أصبح أكثر انتظامًا، والسياسة النقدية والمالية تعملان ضمن إطار واضح، فقد يكون حذف الأصفار جزءًا منطقيًا من إعادة تنظيم النظام النقدي , أما إذا استمرت الأسباب التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع، فإن المشكلة لن تختفي. ستتغير الأرقام فقط.
إذا كانت سلعة ما تكلف مليون جنيه قبل حذف ثلاثة أصفار، فقد تصبح تكلفتها ألف جنيه جديد. لكن إذا استمر التضخم، فإن الألف سيبدأ بالصعود من جديد , وهنا يمكن أن يتحول حذف الأصفار من إصلاح نقدي إلى إعادة تسمية للأزمة
التجربة الدولية لا تعطي وصفة واحدة
غالبًا ما يُستشهد بتركيا عندما يُطرح موضوع حذف الأصفار. فقد حذفت تركيا ستة أصفار من الليرة عام 2005، لكن الخطوة جاءت ضمن سياق أوسع من الإصلاحات الاقتصادية والسياسات التي هدفت إلى استقرار الاقتصاد والنظام النقدي – وفي المقابل، تظهر تجارب أخرى أن حذف الأصفار لا يستطيع بمفرده إيقاف التضخم عندما تظل الاختلالات الاقتصادية قائمة , المغزى من المقارنة ليس البحث عن دولة «نجحت» وأخرى «فشلت» بطريقة مبسطة، وإنما ملاحظة العامل المشترك: إعادة تسمية الوحدة النقدية ليست بديلًا عن معالجة أسباب التضخم
وهذه النقطة أكثر أهمية في السودان تحديدًا، لأن حجم الأزمة يتجاوز السياسة النقدية وحدها. تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية في أبريل 2026 خلص إلى أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني عقودًا إلى الوراء، وأن استمرار الصراع سيعمق الخسائر الاقتصادية والاجتماعية , الخطر الآخر— السوق السوداني ليس سوقًا واحدًا
هناك مشكلة سودانية خاصة تجعل أي إصلاح نقدي أكثر تعقيدًا: الانقسام الجغرافي والمؤسسي الذي أحدثته الحرب
فالسياسة النقدية تحتاج إلى مساحة وطنية واسعة حتى تكون فعالة
أما عندما تختلف درجة سيطرة المؤسسات المصرفية والنقدية من منطقة إلى أخرى، وتظهر أنماط مختلفة في التعامل النقدي، فإن توحيد العملة يصبح مسألة تتجاوز طباعة الأوراق , وهنا لا يعود السؤال فقط- هل الورقة الجديدة أفضل من القديمة؟ بل— و هل توجد سوق نقدية وطنية واحدة تستطيع هذه الورقة أن تعمل داخلها؟ , هذه المسألة قد تكون من أصعب تحديات أي مشروع لإعادة تنظيم العملة في السودان.
تجربة 2007 تظل حاضرة
السودان نفسه جرّب إعادة ترتيب الوحدة النقدية من قبل < ففي 2007 جرى الانتقال من الدينار إلى الجنيه، وكان الجنيه يعادل 100 دينار. وكان ذلك إجراءً نقديًا مهمًا من الناحية الحسابية، لكنه لم يكن كافيًا وحده لحل الاختلالات الاقتصادية التي ظلت قائمة.
وهنا تظهر قيمة التجربة السابقة- تغيير الوحدة النقدية ليس هو نفسه إصلاح الاقتصاد < ومن ثم فإن السؤال المشروع اليوم ليس ما إذا كان السودان يستطيع تغيير عملته؛ فقد بدأ بالفعل في استبدال بعض فئاتها < السؤال الأصعب هو: ماذا سيأتي بعد الاستبدال؟
من الورقة الجديدة إلى الاقتصاد الجديد
إذا أراد السودان أن يجعل تغيير العملة جزءًا من إصلاح حقيقي، فستحتاج العملية إلى أن ترتبط بمجموعة أوسع من السياسات.
استقرار الأسعار
تحسين إدارة المالية العامة.
استعادة الإنتاج.
إعادة تشغيل القطاع المصرفي.
تطوير المدفوعات الإلكترونية.
تشجيع الصادرات.
إعادة بناء الثقة في الجهاز المصرفي.
وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار السياسي والأمني الذي يسمح للنشاط الاقتصادي بالعودة < ولا يتعلق الأمر بالمصارف وحدها. فاستراتيجية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للقطاع الخاص في السودان 2026–2028 تشير إلى أن دعم الشركات الناجية، والمزارعين، والتجار، والمصنعين الصغار، والمشروعات المرتبطة بالشتات، يمثل عنصرًا أساسيًا في إبقاء الخدمات الاقتصادية قائمة وإتاحة فرصة للتعافي
وهذا يضع العملة في مكانها الصحيح: جزء من منظومة الاقتصاد، لا الاقتصاد كله , و السؤال الذي يجب ألا نهرب منه
ربما يكون من السهل على الدولة أن تقول للمواطن— هذه عملة جديدة، وهذه أوراق أكثر أمانًا، وهذه أرقام أقل , لكن المواطن لن يقيس نجاح السياسة النقدية بعدد الأصفار على الورقة , سيقيسها بسعر الخبز، والدواء، والمواصلات، والإيجار، وقدرته على الحصول على أمواله من البنك، وثبات قيمة مدخراته، وقدرة مشروعه الصغير على الاستمرار , لهذا فإن نجاح تغيير العملة لن يُقاس يوم طرح الورقة الجديدة، وإنما بعد أشهر وسنوات، عندما نعرف هل استقرت القوة الشرائية للجنيه أم عادت الأرقام إلى التضخم من جديد , تغيير العملة يمكن أن يكون بداية إصلاح، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن الإصلاح. وأما حذف الأصفار، إن تقرر، فقد يجعل الأرقام أكثر راحة للعين والحساب؛ لكنه لن يجعل الاقتصاد أقوى بمجرد حذفها , فالسؤال السوداني الحقيقي ليس- كم صفرًا نستطيع أن نحذف من الجنيه؟ —-بل- وما الذي سنفعله حتى لا تعود هذه الأصفار مرة أخرى؟
zuhair.osman@aol.com


