Uncategorized
من أنوار مدني إلى لدغات الباعوض بقلم: أمين محمد الجاك عامر -المحامي

من أنوار مدني إلى لدغات الباعوض
بقلم: أمين محمد الجاك عامر -المحامي
قبل أيام وصلت إلى مدينة مدني مساءً، وكلنا أشواق إليها، وتحفّ بنا أحلام العودة إلى الوطن والأهل والأحباب. وما إن اقتربنا من مدخل المدينة حتى استقبلتنا مشاهد أدخلت إلى النفس شيئًا من البهجة والسرور.
كان مدخل المدينة مضاءً ليلًا بأنوار باهرة، تبدو وكأنها تعمل بالطاقة الشمسية، وعلى امتداد الطريق تنتشر المحلات التجارية والمستوصفات الطبية، ولافتات مضاءة بتصاميم جميلة وحديثة. وكانت المدينة في تلك الساعة نابضة بالحركة؛ الناس في الشوارع، والأسواق عامرة، والحياة تدب في أوصالها من جديد.
قلت في نفسي: مدني بدأت تستعيد عافيتها! بل إن بعض مداخلها وطرقها المضيئة بدت لي أجمل من كثير من طرق العاصمة، وأكثر حركة وكثافة بالسكان.
وفي تلك الليلة كان الجو جميلًا ومنعشًا، وكنت في أمسّ الحاجة إلى النوم في «الحوش الكبير». وبعد أن سلمت على الأهل، قررت أن أستسلم للنوم في الهواء الطلق من شدة التعب.
لكن أهل البيت أصروا على أن أنام تحت الناموسية. وهنا أعلنت الرفض، وبكل عناد وقوة رأس! قلت لهم إن الناموسية تحبس النفس وتحجب عنك منظر السماء المرصعة بالنجوم، وإنني سأكتفي بغطاء خفيف وأتوكل على الحي الذي لا يموت!
وفعلًا، تمددت في الحوش، وما هي إلا لحظات حتى ذهبت في نوم عميق، لم أفق منه إلا على أذان الصبح وصوت المؤذن وهو ينادي: «الصلاة خير من النوم».
قمت من النوم وأنا في غاية النشاط، وتوجهت إلى الوضوء والسواك، فإذا بالمصيبة تظهر أمامي بكل وضوح!
نظرت إلى يديّ ورجليّ، فإذا أطرافها قد تعرضت لهجوم منظم من الباعوض، وأصبحت كأنها «ترابيزة لحام» من كثرة اللدغات!
وهنا تذكرت أيامًا مضت، وتذكرت معها ضابط الصحة وعمال الناموس وهم يجوبون الأحياء في الصباح الباكر. كانوا يمرون على الطرقات والبرك والبلاعات ومستنقعات المياه، يتفقدون أماكن توالد الباعوض، ويجمعون اليرقات، ويرشون البرك والمصارف، ثم يدخلون البيوت لتوعية الناس وإرشادهم إلى الاشتراطات الصحية، خاصة ما يتعلق بالأزيار وبراميل حفظ المياه وغيرها.
كانوا يؤدون هذه الأعمال بجد ونشاط، ومسلحين بالقوانين والأوامر المحلية التي تمنحهم سلطة القيام بواجباتهم وحماية الصحة العامة.
كان حضور ضابط الصحة وعمال الناموس جزءًا مألوفًا من حياتنا اليومية، ولم يكن الناس ينظرون إليهم باعتبارهم عمال رش فقط، بل كانوا يمثلون خط الدفاع الأول عن صحة المجتمع.
وللأسف، افتقدنا منذ بداية التسعينيات هذا الحضور، وأُلغيت أو تراجعت مثل هذه الوظائف من هياكل الخدمة، مع أنها من أهم الوظائف التي تمس حياة الناس بصورة مباشرة.
سألت أهل البيت عن سر هذا الهجوم، وكيف يتعاملون مع هذه الكائنات، فقالوا لي بكل بساطة:
«الباعوض أكلنا وفتر مننا… لمن بقينا ليهو مساخ! ومرات، والله، بتلقى نفسو بتعمد يبعد مننا!»
ضحكت، لكن المسألة في الحقيقة ليست مضحكة.
فإذا كان هذا حال الإنسان داخل المدينة، فكيف يكون الحال في الأرياف ومناطق الزراعة والإنتاج والقرى التي تكثر فيها المياه الراكدة والمصارف والحفائر والبرك؟
إن مكافحة الباعوض ونواقل الأمراض ليست ترفًا ولا عملًا موسميًا، وإنما هي جزء أساسي من منظومة الصحة العامة، وتحتاج إلى عمل مستمر ومنظم يشمل مكافحة أماكن توالد الباعوض، وردم البرك والمستنقعات، وتحسين تصريف المياه، والرش عند الحاجة، إلى جانب التوعية الصحية والرقابة البيئية.
والأمر لا يتعلق بالصحة وحدها؛ فكل مرض تتم الوقاية منه يعني إنفاقًا أقل على العلاج والدواء، وضغطًا أقل على الأسر والمرافق الصحية، وتقليلًا للحاجة إلى استيراد الأدوية وما يترتب على ذلك من استنزاف للعملات الصعبة.
مدني اليوم تستعيد وجهها الجميل؛ طرقها تضاء، والأسواق تعود للحركة، والناس يستعيدون شيئًا من حياتهم التي انتزعتها الحرب. ومن حق هذه المدينة وأهلها أن تكتمل فرحتهم ببيئة صحية وآمنة، إلى جانب الطرق المضيئة والشوارع العامرة.
ولعل من المهم أن نعيد النظر في خدمات الصحة البيئية ومكافحة نواقل الأمراض، وأن نستعيد بعضًا من تلك الوظائف التي كانت تقوم بدور مهم في حماية المجتمع، مع تطوير أدواتها بما يناسب واقع اليوم.
أما أنا، فقد تعلمت الدرس بالطريقة الصعبة:
مدني مضيئة وجميلة… لكن النوم في الحوش من غير ناموسية يحتاج إلى شجاعة، أو ربما إلى قدر كبير من حسن الظن بالبعوض! 😄



