Uncategorized

من لبن البقرة إلى المشلعيب… حين واجهنا المستحيل بقلم: أمين محمد الجاك عامر – المحامي

من لبن البقرة إلى المشلعيب… حين واجهنا المستحيل

بقلم: أمين محمد الجاك عامر – المحامي

ذهب صديقي العزيز في مشوار عمل خارج المدينة، وعندما عاد أحضر معه كمية من لبن البقر الطازج كامل الدسم، في جركانة كبيرة. وما إن وصل إلى البيت حتى اتجه مباشرة إلى المطبخ، وقبل أن يذهب به إلى الثلاجة، قرر أن يسخنه حتى لا يتقطع ويصبح صالحًا للاستخدام.

أفرغ اللبن،بكل همة ونشاط، في حلتين كبيرتين، وبينما كان يتحدث معي من داخل المطبخ عن أهمية اللبن وفوائده، وعن برنامجه المسائي الذي قرر فيه أن يستمتع بهذا اللبن الطازج ويدعو بعض الأصدقاء إلى عشاء من الفطير باللبن، حدث ما لم يكن في الحسبان.

ذهب ليشعل البوتجاز، فإذا بالنار تأبى أن تشتعل!

الغاز خلص!

هنا جنّ جنونه، وبدأ يبحث عن حل سريع ينقذ اللبن قبل أن يفسد. ذهب إلى الدكان، وعاد بكمية من الفحم، وأشعل النار، ولحسن الحظ كان الفحم من النوع الجيد، فاشتعلت النار وبدأت الحلل تغلي واحدة تلو الأخرى.

جلسنا في ظل الحوش الواسع نراقب اللبن، ونسجنا حوله القصص والحكايات والأمنيات، وكأننا في انتظار حدث عظيم.

وبعد أن اطمأن صديقي إلى أن اللبن قد نجا من خطر التقطع، قسمه ووضع جزءًا منه في الثلاجة ليستخدمه في اليوم التالي.

لكن يبدو أن مسلسل المفاجآت لم يكن قد انتهى.

فما إن وضع اللبن في الثلاجة حتى قطعت الكهرباء!

وكانت الجدولة المقررة لذلك اليوم قد انتهت بثماني ساعات من القطوعات، فوقف صديقي موقف حمار الشيخ في العقبة؛ لا هو قادر على تبريد اللبن، ولا هو مطمئن إلى بقائه حتى الصباح.

نظر إليّ في حيرة، وكأن كل مشروعاته انهارت دفعة واحدة: لا لبن بارد، ولا شاي صباح، ولا فطير باللبن في اليوم التالي!

وهنا تذكرت أيام زمان، وحكمة الحبوبات، وأدوات البيت السوداني القديمة، وتذكرت ذلك الشيء الذي كنا نراه في البيوت قبل أن تصبح الثلاجة جزءًا أساسيًا من حياتنا:

المشلعيب.

قلت لصديقي:
يا أخي، يبدو أن المشلعيب الذي كنا نظنه من أدوات الماضي قد يصبح اليوم من أدوات المستقبل!

ففي زمان الحبوبات لم تكن الكهرباء موجودة، ولا الثلاجات ولا المجمِّدات، ومع ذلك كانت هناك وسائل بسيطة لحفظ الطعام والتعامل مع حرارة الجو. وكان المشلعيب، بما يسمح به من تهوية وتبريد طبيعي بالتبخر، وسيلة عملية لحفظ بعض الأطعمة والمشروبات إلى اليوم التالي.

وهنا بدأت أفكر في الموضوع بصورة مختلفة.

لماذا لا يأخذ أحد التجار الشاطرين نموذجًا من هذا المشلعيب القديم، ويطوّره بما يتناسب مع حياتنا الحالية؟ ولماذا لا يُصنع من مواد حديثة وآمنة، مع الاحتفاظ بفكرته الأساسية، ثم يُنتج بكميات كبيرة في الصين وبأسعار معقولة؟

بل يمكن أن يتحول إلى منتج سوداني ذي هوية ثقافية، يحمل اسمًا تجاريًا مستوحى من تراثنا، ويُسوَّق داخل السودان وخارجه، خصوصًا في المناطق التي تعاني من انقطاع الكهرباء أو ارتفاع تكاليف التبريد.

وربما يمكن أن تتطور الفكرة أكثر: مشلعيب حديث + طاقة شمسية + تهوية جيدة، لنصنع وسيلة تبريد وحفظ بسيطة، قليلة التكلفة، قليلة استهلاك الطاقة، ومناسبة للبيئة السودانية.

فالمشكلة أحيانًا لا تكون في قلة الإمكانات، وإنما في أننا ننسى أن أجدادنا تركوا لنا حلولًا بسيطة لمشكلات معقدة، ثم نكتشف بعد سنوات أننا بحاجة إلى العودة إليها ولكن بصورة أكثر تطورًا.

وهكذا انتقلنا في جلسة اللبن من مشكلة صغيرة: غاز انتهى، وكهرباء قطعت، إلى فكرة ربما تستحق أن يفكر فيها أصحاب المال والأعمال والابتكار.

فإذا كان الماضي قد علّمنا كيف نحفظ اللبن بالمشلعيب، والحاضر يملك الطاقة الشمسية والتكنولوجيا، فلماذا لا نجمع الاثنين؟

وكما غنى الفنان محمد وردي من كلمات الشاعر إسماعيل حسن:

لو بإيدي كنت طوّعت الليالي
لو بإيدي كنت زلّلت المحال
والأماني الدايرة في دنياي ما كانت محال
دي الإرادة ونحن ما بنقدر نجابه المستحيل
دي الإرادة والمقدر ما بنجيب ليه بديل

فربما يكون المشلعيب، في زمن انقطاع الكهرباء، أكثر من مجرد ذكرى من أيام زمان؛ ربما يكون فكرة صغيرة تساعدنا على مجابهة المستحيل.

أما صديقي، فقد بقي أمام الثلاجة يترقب عودة الكهرباء، وأنا بقيت أفكر في المشلعيب!

وبين اللبن والكهرباء والمشلعيب، اكتشفنا أن الحبوبات ربما كنّ أكثر تقدمًا في إدارة الأزمات مما كنا نظن!

مقالات ذات صلة

إغلاق