Uncategorized
هجر الحمامُ شارعنا بقلم :امين محمد الجاك عامر -المحامي

هجر الحمامُ شارعنا
بقلم :امين محمد الجاك عامر -المحامي
بعد عودتي إلى البلد، عدتُ إلى عادتي القديمة التي افتقدتها طويلًا وأنا خارج البلاد؛ الجلوس بعد صلاة الصبح، ومع شروق الشمس، أمام البيت. سرعان ما يأتي الأصدقاء والجيران، فتُقام جلسة القهوة الصباحية، وتتبادل التحايا مع أهل الحي وهم في طريقهم إلى أعمالهم. كانت تلك الجلسة أكثر من مجرد فنجان قهوة؛ كانت مساحة للأنس، وتمتين أواصر الأخوة، والتواصل بين الناس، والتعرّف إلى أجيال الحي جيلاً بعد جيل.
ومن بين المشاهد التي كنت أستمتع بها في تلك الساعات الباكرة أسراب الحمام التي كانت تأتي من المنازل المجاورة، فتحط على شارع الأسفلت، الذي كان قليل الحركة في ذلك الزمن، وتبدأ في التقاط حبات الذرة والحبوب المتناثرة. وكان حمام الحي، في تلك اللحظات، يبدو وكأنه يبادل بعضه تحايا الصباح، قبل أن تبدأ رحلته اليومية إلى الحقول الزراعية المحيطة بالمدينة في مواسم الحصاد، أو إلى النهر والجروف، حيث «تقدو خماس وتعود بطان».
وكان يحلو لي، قبل سنوات طويلة، أن أحمل ابني الصغير على كتفي، ونمضي إلى مهابط الحمام، ونردد معًا:
«حَم يا حمام، شيل السلام ود البلد».
ثم نعود إلى الديار، لنتناول الشاي باللبن، ويعود الهدوء إلى البيت، ويكف صغيري عن البكاء والصراخ.
لهذا كله، فقد افتقدت الحمام كما افتقدت كثيرًا من تفاصيل مدينتنا القديمة.
وحين جلست أمام البيت بعد عودتي، كنت أنتظر ذلك المشهد المألوف: أسراب الحمام وهي تملأ شارع الأسفلت، تلتقط الحبوب المتساقطة من عربات النقل، وتمنح المكان شيئًا من الحياة والألفة. لكن الحمام لم يأتِ.
استغربت كثيرًا، وسألت عن سر غياب تلك الأسراب التي كانت جزءًا أصيلًا من صباحات المدينة. فجاءتني الإجابة مؤلمة:
بعد أن هجر الناس المدينة، وخرجوا منها هربًا من الحرب، هربت الطيور والحمائم أيضًا.
فالمدينة التي كانت عامرة بالناس والبيوت المفتوحة والأصوات والحركة، أصبحت فجأة خالية من كثير من مظاهر الحياة. حتى الكلاب والكدَايِس اختفت، أما الأنعام الأخرى من الغنم والضان، فقد تحولت إلى وجبات دسمة لمن دخلوا المدينة في زمن الحرب.
عندها قررت أن أفعل شيئًا بسيطًا، ربما يعيد إلى المكان بعضًا من روحه القديمة. اشتريت كمية من الذرة، ووضعت بعضها على سطح «الحمام» المجاور لباب الشارع، ونثرت بعضها الآخر على الأسفلت، لعل الحمام يتذكر طريقه القديم ويعود.
كنت أرجو أن تنجح المحاولة، مستأنسًا بقول النبي ﷺ:
«في كل كبدٍ رطبةٍ أجر».
لكن الذرة بقيت في مكانها، ولم تأتِ أسراب الحمام.
وقفت أنظر إلى الشارع الخالي، وإلى الحبوب التي لم تجد من يلتقطها، وشعرت أن الأمر أكبر من غياب طيور اعتدنا رؤيتها كل صباح. لقد غاب الحمام لأن شيئًا من الحياة التي كان يعيش عليها قد غاب أيضًا.
وفي تلك اللحظة، وجدتني أردد في داخلي أبياتًا من قصيدة «بعد حين» التي كنا نستمع إليها ليلًا عبر الراديو، من إذاعة «صوت العرب»، بصوت أم كلثوم، سيدة الغناء العربي:
بعد حينٍ يُبدّلُ الحبُّ دارا
والعصافيرُ تهجرُ الأوكارا
وديارٌ كانت قديمًا ديارًا
سترانا كما نراها قِفارا
لعل الحمام لا يزال يعرف طريق العودة، ولعل المدينة، هي الأخرى، ستستعيد ذات يوم أبناءها وبيوتها وأصواتها وصباحاتها القديمة.
وحين يعود الناس، ستعود معهم الطيور.
وحين يعود الحمام إلى شارعنا، سأعرف أن مدني قد بدأت تستعيد شيئًا من روحها التي افتقدناها طويلًا


