Uncategorized

التوم سمير يكتب 🖋️حكاية كسونغو يي

التوم سمير يكتب 🖋️حكاية كسونغو يي

هناك أغنيات نسمعها، وهناك أغنيات تسكننا. و”كسونغو يي” من النوع الثاني، أغنية لا تحتاج إلى ترجمة، لأنها تتحدث بلغة القلب الأفريقي الواحد.

تعود حكاية “كسونغو” إلى عام 1974، عندما كانت فرقة Orchestra Super Mazembe تتربع على عرش الموسيقى في شرق أفريقيا. هذه الفرقة التي أسسها مهاجرون كونغوليون في كينيا، كانت تمزج بين الرومبا الكونغولية الأصيلة والسواحيلية الساحلية، فخلقت لوناً جديداً ساحراً.

وُلدت أغنية Kasongo Yeye من رحم الواقع. كسونغو لم يكن شخصية خيالية، بل كان رجلاً حقيقياً يعرفه أعضاء الفرقة. رجل بسيط، عامل في الميناء، يحب زوجته حباً جماً، لكنه ابتلي بالسهر ورفاق السوء. كان يعود كل ليلة متأخراً، تفوح منه رائحة الخمر، بينما زوجته “يي” تنتظره بصحفة الكسرة الباردة وطفل يبكي من الجوع.

صبرت “يي” عاماً وعامين، حتى جاء ذلك الصباح الذي لم تجد فيه حتى ثمن الشاي. فجمعت أطفالها الثلاثة، وربطت ملابسها في قماشة وعادت إلى بيت أهلها في القرية، دون أن تترك ورقة وداع.

عاد كسونغو ليجد الباب موارباً، والبيت صامتاً كالقبر. لا صوت أطفال، ولا رائحة ملاح، فقط صدى صوته. جلس على عنقريب مهترئ وبدأ يدندن بندم: “Kasongo yeye, mama na Kasongo”. كان ينادي نفسه، كأنه يقول: أين ذهبت يا كسونغو؟ ماذا فعلت بنفسك؟ سمعه عازف الجيتار الرئيسي للفرقة، فحول تلك الدندنة إلى لحن خالد.

سر “كسونغو يي” الموسيقي يكمن في تناقضها العجيب. اللحن مبني على سلم الدو مينور الحزين، وهو سلم البكاء في الموسيقى الأفريقية. الجيتار الليد يعزف بتقنية الفي نجر سبيس، نوتات متقطعة كأنها شهقات بكاء. والبيز جيتار يمشي بخطوات ثقيلة، كخطوات رجل عائد إلى بيت خالٍ. لكن الإيقاع هو الثورة. إيقاع الكافاشا السريع، الذي يجبر قدميك على الرقص حتى لو كان قلبك يبكي. هذا هو سر الرومبا: أن ترقص على جرحك.

وصلت الأغنية إلى السودان في أواخر التسعينيات عبر شرائط الكاسيت التي يجلبها التجار من كينيا، لكنها انفجرت حقاً في 2023-2024 مع تيك توك. المدهش أن المزاج السوداني أعاد تشكيلها. نحن شعب لا يحب أن يبكي طويلاً. أخذها شباب الدي جي في أم درمان والخرطوم، وجوبا وتحديداً ريمكسات دبي ميوزك ودي جي أفريقيا، ونزعوا عنها رداء الحزن الكونغولي وألبسوها ثوب الزنق السوداني. أضافوا لها صفقة، وكتمة، وإيقاع دلوكة حار، فصارت من أغنية عتاب زوجي إلى أغنية تحدي في الحفلات: “كسونقو يي يي.. العب كن تقدر”.

وتبدلت دلالتها الاجتماعية تماماً. في كينيا تعني رجل نادم يبكي زوجته. وفي السودان تعني رمز للزول الطاشي، المهمل، الما جايب خبر الدنيا. والبت لما ترسلها لولد في الواتساب، فهي ترسل له إنذاراً أخيراً: “أصلح حالك قبل ما أبقى زي مرت كسونغو وأخليك”.

وهنا مربط الفرس، وهنا الرسالة التي يجب أن نقولها بوضوح: إن ما حدث مع “كسونغو يي” يكشف لنا حقيقة كبيرة غائبة عن الكثيرين، وهي أن المكتبة الغنائية الأفريقية غنية جداً بالأغاني والألحان والإيقاعات الجميلة، فقط تحتاج إلى من ينفض الغبار عنها.

أفريقيا ليست قارة فقيرة فنياً كما يصورها الإعلام الغربي، بل هي أم الموسيقى في العالم. كل إيقاعات العالم الحديثة، من الجاز إلى البلوز إلى الروك أند رول إلى الهيب هوب، أصلها أفريقي. لدينا في الكونغو وحدها أكثر من 400 إيقاع مختلف، وفي نيجيريا وغانا ومالي وجنوب أفريقيا آلاف الألحان التي لم تسمع بعد.

“كسونغو يي” هي مجرد غبار من جبل، وقطرة من محيط. هناك مئات الأغنيات مثل “ماريانا” و”بولي موندو” و”سوكوس” و”ماكوسا” مدفونة في أرشيفات الإذاعات الأفريقية القديمة، تنتظر فقط شاباً سودانياً موهوباً يعيد توزيعها ويقدمها للجيل الجديد.

مهمة الفنان السوداني اليوم ليست فقط أن يغني، بل أن يكون باحثاً ومنقباً في هذا الكنز الأفريقي. نحن أفارقة قبل أن نكون أي شيء آخر، وإيقاعنا واحد، ووجعنا واحد، وفرحنا واحد. نفض الغبار عن هذه المكتبة ليس مجرد عمل فني، بل هو عمل وحدوي، يعيد ربط السودان بعمقه الأفريقي الحقيقي.

“كسونغو يي” هي دليل على أن الموسيقى لا تموت، بل تهاجر وتتكيف وتتلون بلون كل شعب. هي أغنية واحدة، لكنها تحمل ألف وجه: وجه البكاء في كينشاسا، ووجه الرقص في أم درمان، ووجه الميم الساخر في تيك توك. ويبقى السؤال الذي تطرحه كل مرة نسمعها: كم كسونغو بيننا اليوم؟ وكم “يي” صابرة على وشك الرحيل؟

الاسطورة التوم سمير باحث في التراث الغنائي الشعبي ومدرب رقص ومخرج استعراضي
للتواصل : 0964473867

مقالات ذات صلة

إغلاق