Uncategorized
من أعلى المنصة ياسر الفادني نحن بخير… وإن أوجعتنا الجراح

من أعلى المنصة
ياسر الفادني
نحن بخير… وإن أوجعتنا الجراح
كلما صنعوا لهذا الوطن شوكاً ليعثر في الطريق، قيّض الله له من أسباب النجاة ما يبدد العتمة ويزيل الأذى، وكلما ظن المتآمرون أنهم أحكموا قبضتهم على مصيره، باغتهم السودان بقدرة عجيبة على النهوض، كأن هذه الأرض خُلقت لتكسر رهانات السقوط، وتخذل الذين يراهنون على نهايتها ، التاريخ شاهد؛ يحفظ بدايات المؤامرات، ويفضح وجوه أصحابها، ثم يروي كيف انتهت أحلامهم على صخرة وطن عصيٍّ على الانكسار
نعم، نحن نعيش ظروفاً قاسية، ونواجه ضائقة اقتصادية أنهكت الناس، وأثقلت كواهل الأسر، وضيّقت مساحات الأمل في حياة المواطنين، لا ننكر الوجع، ولا نجمّل الواقع، ولا نطلب من الناس أن يبتسموا في وجه المعاناة ، لكننا نرفض أن تتحول آلامنا إلى شهادة وفاة لهذا الوطن، أو أن يصبح ضيق المعيشة جسراً يعبر عليه المتربصون إلى غاياتهم السياسية
هذه الحرب لم تكن مجرد طلقات انطلقت من فوهات البنادق، بل فتحت أبواباً واسعة للخراب، وامتدت آثارها إلى الاقتصاد ومعاش الناس وأمنهم واستقرارهم. وفي خضم هذه المأساة، اختار بعض من غادروا البلاد أن يتجولوا بين العواصم، مستندين إلى الخارج، ومراهنين على أن ما عجزوا عن انتزاعه بالقوة يمكن أن يحصلوا عليه بالضغوط والمساومات، تبدلت الوجوه، وتعددت المنابر، لكن الرهان ظل واحداً: أن يتعب السودانيون، وأن يفقدوا الثقة في دولتهم، وأن يرفعوا أيديهم استسلاماً أمام واقع يريدونه مفروضاً عليهم
لكنهم لم يدركوا أن السودان ليس كرسياً يتنازعون عليه، ولا غنيمة سياسية يتقاسمونها، ولا شعباً يمكن دفعه إلى الاستسلام بمجرد إطالة أمد المعاناة، هذا وطن له ذاكرة، وله جذور ضاربة في عمق التاريخ، وله شعب يعرف كيف ينهض حين تشتد المحن، وكيف يميز بين من يختلف معه في الرأي ومن يريد أن يسلبه حقه في الحياة والأرض والسيادة
إن ما يثير القلق اليوم ليس صعوبة الظروف وحدها، بل محاولات استغلالها وتأجيج الغضب الشعبي وتوظيف معاناة المواطنين لتحقيق مكاسب سياسية، وكلما اشتدت الضائقة، أصبح واجب الدولة أكبر في حماية معاش الناس، ومكافحة الفساد والاحتكار والمضاربات، ومواجهة كل من يتلاعب بقوت المواطنين
الذين يراهنون على أن الجوع سيهزم إرادة السودانيين، وأن ارتفاع الأسعار سيجعلهم ينسون أرضهم وكرامتهم، فعليهم أن يقرأوا تاريخ هذه البلاد جيداً، السوداني قد يتعب، وقد يشتد عليه الوجع، وقد يختلف مع المسؤولين ويطالبهم بالمحاسبة، لكنه لا يمنح أحداً حق المتاجرة بمأساته، ولا يقبل أن يكون مستقبله رهينة لأجندات الآخرين
هذه البلاد تشبه شجرةً كلما هبت عليها الرياح العاتية، ازدادت جذورها تشبثاً بالأرض، وتشبه الذهب الخالص الذي لا تفقده النار قيمته، بل تكشف عن نقائه حين تحترق حوله الشوائب ، قد تترك الحرب في أجسادنا ندوباً، وفي بيوتنا فراغاً، وفي أرواحنا حزناً لا تمحوه الكلمات، لكنها لن تستطيع، مهما طال أمدها، أن تنتزع من السودانيين حقهم في الحلم بوطن آمن ومستقر
نحن بخير، لا لأن الجراح توقفت عن النزيف، ولا لأن الأسواق استعادت عافيتها، ولا لأن الطريق أصبح مفروشاً بالورود، نحن بخير لأن في هذا الشعب بقية من قوة، وفي هذه الأرض مخزوناً من الصبر، وفي هذا الوطن من أسباب النهوض ما يستحق أن نتمسك به، نحن بخير لأننا، رغم كل شيء، لم نفقد القدرة على التمييز بين الألم واليأس، وبين النقد والهدم، وبين الاختلاف الوطني والتآمر على الوطن.
ولنكن واضحين: الأمل ليس تخديراً للناس، والصمود ليس صمتاً عن الأخطاء، والانتصار في معركة الوطن لا يكتمل ما لم يجد المواطن أثراً له في خبزه ودوائه وأمنه وكرامته. لذلك، فإن مسؤولية المرحلة تفرض على الحكومة أن تتحرك بجدية أكبر لإنقاذ الاقتصاد، وضبط الأسواق، وملاحقة المتلاعبين، وتخفيف أعباء الحياة. فالشعب الذي يصمد دفاعاً عن وطنه يستحق دولةً تصمد دفاعاً عن مصالحه وحقوقه
إني من منصتي أنظر…. حيث أري وطن أثقلته الجراح، لكنني لا أراه ساقطاً، أرى شعباً يتوجع، لكنه لم يبع كرامته، وأرى أرضاً أنهكتها الحرب، لكنها لم تتخلَّ عن أبنائها، وأرى رهاناتٍ كثيرةً على التعب والانكسار، يقابلها شعب يعرف أن الطريق إلى الخلاص طويل، لكنه ليس مستحيلاً.




