Uncategorized
شواهد ومشاهد 🌹عبق الحياة🌹 (تجربة الرحيل المر 2)

شواهد ومشاهد
🌹عبق الحياة🌹
(تجربة الرحيل المر 2)
* مازال فى القلب شئ من الأضاد ، يكسوه التلفت كل حين نحو المشاهد التى خلفت وراء الإنبعاث ، وراء الكل ، وراء الحياة ، عن نسل السودان وأرضها الخضراء (ما أجملها ) ، عن كل شىء ….. وهنا تبدأ المقارنة بشىء من الحزر مابين إقبال جديد و وجدان تغلل فى الذات منذ آنية الصبى وبراءة الطفولة ،، هاهنا الفرق ؛ يبدو أن الأمر سهلا للأبناء أما نحن وجيلي ومن تبعهم ، من الصعوبة أن يقتلع ، وينتزع هذا السلسال الذي تتراكم فيه الحكاوي والقصص … كإنتزاع الروح من الجسد ، عقدا فريدا أبديا على جيد الزمان الزكي وجوانحي الباكية …. مكثنا كما ذكرت يومان ليس كأيامنا هذه ، مختلفة المشهد والمقيل ، حتى نستجمع الماضي والحضور وقوانا ، وبعض الرحيق وذاد الرحيل ،، فى هذه المدينة (أسوان) لها من الإلفة ملمح وإنسجام عن الديار ، برهة من التأمل تغمرنا كالذي يفكر إلى أين تحط الرحال ودلالات الوجهة ، والغيب ، لا يسعنا إلا أن نطلق لأنفسنا تراتيب الغد ، لا قرار ولا سيناريو ، ولا دراسة للمستقبل القريب ، الخطة مسبقة والعلم بها مجهول ، ولكنها مشيئة الله … في صباح باكر أجمعنا أنفسنا وحوائجنا ، وتأهبنا الرحيل إلى مدينة أكبر وأزحم ، يحكمها أبوالهول ، تحرسها أكبر ثلاثة إهرامات ، وأهل هذه البلدة مشغولون بتعاقب الليل والنهار والحياة التى أكثر ماتصفها مشقة العيش ، والكل يشتري ويبيع ، حتى نسائها يناوبن مع أهل بيتهن لكي يجارين هذا التسارع لتلبية حوائجهن ، كل الإزقة سمتها التشابه والتقارب ، كوجوه شرق أسيا ، أو الفلبين ، لم نكن نعرف هذه الجزيئات إلا عندما إقتربنا منها رويدا رويدا كفلق الصباح … إنتظرنا ، وصعدنا ، بكل ما لدينا من سعة ، إنها بصات سودانية الموروث ، وصينية المنشأ التى أقلتنا من إسوان إلى القاهرة تشق صحاري مصر بكل فيافيها وقراها ، ويتسلل بردها إلى أجسادنا المغطاة بالمبلابس العتيقة ، وتهيئنا له ، لم يدهشنا الموقف ولا الطقس .
نتطلع لما هو آت بكل مودة وشوق ، شوق لشيء ما ؛ بتحسب وترقب وتعرف … إنها الحياة ومفاجئاتها ..
تكتنز المثير ، وتخفى الكثير … برغم الرحيل المر يحدونا الأمل ؛ والرجوع إلى الديار التي أحزنتنا ، ريثما تنجلى القمة … خلقنا لها وخلقت لنا … عرفها الله لنا كجنة المؤمنين .. أخرجنا منها وأموالنا من غير حق وأوذينا .. نأمل أن نرد إلى سبيل خير منه …
* متيقنين أنها أسماء في حياتنا ومحطات سوف تنجلى بمعاد ، ولكن لا ندرك عدتها وعتادها ربما سنة أو أكثر أو أضعاف ، كل به مبلغه ، الزمن ، والفترة ، آخر المطاف أو أوله ، نزلنا عند بني جلدتنا سهلا وأهلا ، بحي أكثر ساكنيه من السودانيين ، يتجولون كأنما القاهرة حيزت لهم ، من محلات ومذابح ومتاجر سودانية ، بتنا أكثر من أهل (فيصل) أنفسهم وإمتدادها ، من الهرم ، أولاد رجب ، الطوابق ، الطالبية ، مطبعة ، العريش و أول فيصل وما إلى ذلك .. كنا نشعر بالإلفة لحد ما .. وتفاصيل الحياة الدقيقة تلازمنا ، العين والقلب حضور ، أفرغنا مساحة كافية من زاكرتنا لتخزين هذه المشاهد ، قبل يوم ١٤ أبريل ٢٠٢٣ م أو بعد ، من هذا التاريخ لم يكن في الخلد أن تظلنا القاهرة بدفئها وصقيع بردها ، ونحن في الخرطوم حينها ، الأشياء هي الأشياء ، الكل يستعد للتنقل إلى مرحلة من مراحل الحياة والتعليم ، صغيرنا وكبيرنا ، حتى الدواب والأشجار والفصول … هذا هو الإنسجام والتآلف ….
* من هنا أمدرمان الي هنا القاهرة … تبدل الحال ، لا نبخس هذه البلاد حقها لقد إتحضنت ملايين السودانيين ، عامرة بأهلها لولا الشواذ ، ونحن عامرون بها في ظل الرهق والضيق وقصور الوجدان وجفافه . عادة أهل السودان منذ أن كان بأمنه وخيره لا يحركون ساكنا إلا لأمر جامع ، وأمر جلل ، من هجرة الربوع الدافئة وحنينهم ، يرتحلون عبر بوابات اللجوء ، وهم في مأذق وأشتاتا ؛ ضمني الشوق إليك في الحنايا يامرتعي وملعبي وصبايا .
* على عهد قريب ؛ يشار علي وثيقة السفر (الجواز السوداني) محطتين أساسيتين ، يوم أن كان السودان مقدرا ومقتدرا ، وأهل السودان يهنأون ويولعون بالنظر إلى الشمال ، ورياح الشمال ، وعطر الشمال ، كأن لم يكن في الكون ، إلا هاتين المدينين ، (القاهرة و لندن) في التمجيد والإعزاز كأنهن ياقوتتان ، وحلي يزين جيد الحسناوات ، ” توجه الي القاهرة و قدم من لندن ” ، ماسر ذلك لا أدري ؟ ، حتى الأذن لم تألف سوى جملتين اثنتين هما :
” صوت العرب من القاااااهره”
و ” هناااا لندن ”
ولا يستريح البال إلا فيهما ، ربما لأسباب كثيرة ، حتي الأخبار في المذياع تسمع صداهما بإستمرار ولا يعشق السماع إلا صدى تلك المحطتين ، ربما إمتداد وإرتباط السودان منذ الحكم المصري البريطاني سابقا جعل التوارث الروحاني ، شئنا أم ابينا ، متأجج كالنار في الأعماق عبر التاريخ يحكي قصة الفتى الأسمر الذى تشبع بثقافة مزدوجة تحكي سير الأجداد والواقع في الحقب السارقة (الإستعمار) ؛
* إنها القاهرة أم الدنيا ، كما ينعتها أهلها ولنا فيها زوايا خاصة وتميز ، الكل يباهي بوطنه ، فحب الإنتماء جسد مترهل يغطي مساحات واسعة في الفؤاد والنفس ، “هنا أمدرمان” ، لنا في الزاد طعم ولون ، “سودانا” الحبيب ، كعيون المها ، عيناه أسطورية يضئ سواد الليل ، يشع من حدقاته الأمل والمستقبل ، لا إختلاف ، إلا في الأبنية العالية والسد العالي للسائلين عن مصر ؛ والحيشان الواسعة ما بها من نقاء ونسائم دافئة للذين لا يعرفون عن السودان شيئا ، لأننا ننعم بالشجر ، والريحان ، والتسامر في بساط ريحه وفنائه السمح حد الأرتواء … عالمين مختلفين في كل له أساطيره وخفاياه ، جئنا إليها بكل السبل مكرهين ، محبوسي الأنفس ، هبطنا مصرا فإن لنا ماسألنا ؛ الجو مقيد كما السكنى مقيدة ، نصعد ونهبط كأننا في مطار لندن هيثرو ، غرب العاصمة البريطانية ، الهابطون ، أغلبهم حديثي عهد ، ولكن وعوا الدرس ، وأجادوا الاندماج ؛ تكثر المصاعد في القاهرة ، كما تكثر المساجد فيها وأيضا المآسي ، لا لسوء الإستخدام أو الإنبهار بثقافة المصاعد ،،، نملك منها القليل في السودان ، لأننا لا نحتاجها كثيرا ، لتوسعنا الأفقي ، ولنا في الطبيعة عيش وإرتياح ، بالقدر الذي يمكن أن يستقبل بيت أحدنا ما لا يتخيله العقل من حشود وكرنفالات ، وآليات وشجرة الحناء والهشاب وكثير من الناس … بعض المصاعد في مصر أمانها قليل ، وخطورتها أنكأ ، تحتاج الي حزر وانتباه شديدين ، خاصة أطفالنا أكبادنا ..
* تشتهر القاهرة بكثرة المساجد والقهاوي … من أراد منكم فاليستقيم ، ومن لم يرد فاليرتشف القهوة “المحوقة” بالهبهان والزنجبيل ، القهاوي في القاهرة ، مفتحة الأبواب ليل نهار ، لا تختلف عن الصيدليات ، و غرف الحوادث والطوارئ ، إلا بدخان الشيشة يغازل المارة ، وكرة القدم عبر الشاشات البلورية ، ورشف الشاى الأحمر ، لم أشهد نفسي يوما جالسا على لجة الصياح وانين المارة .. بل أقود قدمي إلى المسجد متثاقلا كبرد الشتاء ،،، بعدها تغلق المساجد الي نداء آخر وتظل القهاوي قائمة ، هذا هو النسق منذ أن وطأت الأقدام القاهرة ممزوجة بالرتابة والتوهان وإغلاق التفكير ، فالوضع إستثنائي والإقامة باهتة المعالم والنظر نحو القدمين أقرب … حتي لا ينقطع التواصل والوصل ، وتدور الدوائر ، الي أجل غير معروف ويستقيم ظل التعامل والمعايشة …. تجري الأيام كما السحاب ويأتي أجل الرحيل دون وعد أو حساب ، لقد إنقضت المدة فى اللوح المحفوظ ، وجاء الهدهد بالخبر اليقين ، العودة الطوعية تتصدر المشهد ، يا الخرطوم فيك ظلى وترعرعي ، فليظلل الله مصر ويرعاها .
ويا قطار الشوق تمهل ….
عدنا إلى الحياة القديمة التي نعشقها وتعشقنا …..
هاشم تميم




