Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني باكر بجيك…. قاطع مسافات العشم !

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

باكر بجيك…. قاطع مسافات العشم !

بعض الأغنيات تتحول إلى وطن صغير كلما ضاقت الأوطان، أغنية (باكر بجيك قاطع مسافات العشم) هي واحدة من تلك الأعمال التي تجاوزت حدود الطرب لتصبح حالة وجدانية كاملة، تسكن الذاكرة السودانية جيلاً بعد جيل

منذ الجملة الأولى: باكر بجيك قاطع مسافات العشم … لا يعدنا الشاعر بوصول عادي، بل يرسم رحلة إنسانية طويلة، عنوانها… الأمل طريق شاق، ومسافات تُقطع، ووجع يُحتمل، وقلب لا يتعب من الانتظار إنها استعارة سودانية بديعة جعلت من الأمل أرضاً لها مسافات، ومن الحب سفراً لا تنتهي محطاته

لقد كتب النقابي عثمان عوض ضرار هذه القصيدة بروح شاعر يعرف كيف يحول اللغة إلى موسيقى قبل أن تصل إليها يد الملحن ، لغته ليست متكلفة، ولا تعتمد على الزخرفة اللفظية المجانية، وإنما تنبع من عمق البيئة السودانية، حيث تمتزج الفصحى برهافة التعبير الشعبي، فتولد صور شعرية آسرة، انظر إلى قوله: (بجيك من سكة القلب) ! فالقلب هنا لم يعد عضواً نابضاً، بل أصبح مدينة لها شوارعها، وعنواناً يبدأ منه العاشق رحلته، ثم ينتقل إلى قوله: (خايف يكون زيف المدن غير أصالتك والحنين) ، فيضع الأصالة في مواجهة المدينة الزائفة، ويجعل الحنين قيمة أخلاقية قبل أن يكون إحساساً

يمتلك ضرار قدرة نادرة على صناعة الصورة المركبة، فلا يكتفي بالتشبيه المباشر، وإنما يبني عالماً كاملاً من الرموز، الليل عنده ليس زمناً، بل عذاب، والصبح خلاص، والضباب غياب، والعشم وطن مؤجل، والهوى لعنة جميلة يحملها القلب برضا العاشق لذلك تبدو القصيدة وكأنها رواية مكتوبة بالموسيقى، تتدرج فيها المشاهد من الخوف إلى الرجاء، ومن الانكسار إلى اليقين، ومن الفقد إلى الوعد باللقاء
وينتمي الشاعر عثمان عوض ضرار إلى مدرسة شعرية تؤمن بأن أعظم القصائد هي التي تبدو سهلة بينما يستحيل تقليدها فهو لا يطارد الغرابة اللغوية، بل يطارد الصدق، لذلك جاءت مفرداته قريبة من الناس، لكنها محملة بكثافة شعرية عالية، حتى أصبحت عباراته تتردد في الوجدان السوداني كما تتردد الأمثال

ثم جاءت عبقرية الراحل المقيم عبد الرحيم أرقي، ذلك الفنان الذي لم يكن ملحناً يؤدي الكلمات، وإنما كان يعيد كتابتها بالنغم، لحن الأغنية لم يفرض نفسه على النص، بل احتضنه برفق، بدأ هادئاً كخطوات عاشق يسير نحو محبوبته، ثم أخذ يتصاعد تدريجياً مع انفعال الكلمات، حتى يبلغ ذروته دون صخب، وكأن الطنبور نفسه يبكي ويبتسم في اللحظة ذاتها، اللحن هنا ليس زينة خارجية، بل شريك كامل في السرد، يحمل المعنى حين تعجز الكلمات عن حمله وحدها

صوت عبد الرحيم أرقي قد كان من تلك الأصوات التي لا تُقاس بالقوة، وإنما بالصدق ، كان يغني وكأنه يهمس لكل مستمع على انفراد، يحمل في طبقاته دفء الشمال، ورائحة النيل، وحنين القرى، ووجع الفراق ، لم يكن يؤدي الأغنية، بل كان يعيشها حرفاً حرفاً، لذلك خرجت من حنجرته نابضة بالحياة، ووصلت إلى القلوب دون استئذان

لقد رحل عبد الرحيم أرقي على عجل، لكن الأصوات الصادقة لا تموت برحيل أصحابها، ظل صوته معلقاً في فضاءات السودان، كلما دار الطنبور، وكلما اشتاقت الأرواح إلى زمن الفن الجميل، وسيبقى، بحق، ملك الطنبور بلا منازع، لأنه لم يكتف بإتقان هذه الآلة، بل منحها روحاً جديدة، وجعلها تتحدث لغة القلب السوداني بأصدق ما يكون

ولعل السر الأكبر في خلود هذه الأغنية أنها لم تعد قصة عاشق ينتظر حبيبته فحسب، بل أصبحت رمزاً لكل سوداني ينتظر صباحاً أجمل، لذلك كلما مرت البلاد بسنوات القلق والتعب، عادت هذه الأغنية لتهمس في آذان الناس بأن (باكر) لا بد أن يأتي، وأن مسافات العشم، مهما طالت، لا بد أن تنتهي بلقاء
لهذا بقيت الأغنية حاضرة في الوجدان الجمعي، لا يستهلكها الزمن ولا تذبلها السنوات، يسمعها الكبير فيستعيد شبابه، ويسمعها الشاب فيكتشف أن الحب كان دائماً أعمق من الكلمات ، إنها ليست مجرد عمل فني، بل وثيقة وجدانية تختزن شيئاً من هوية الإنسان السوداني، صبره، وفاءه، حنينه، وإيمانه العنيد بأن الغد، مهما تأخر، سيأتي

إني من منصتي أتلذذ بهذا العسل المصفي…. وأقول: هكذا… كلما صدح صوت عبد الرحيم أرقي مردداً: (باكر بجيك قاطع مسافات العشم)، لا نشعر أننا نستمع إلى أغنية فقط، وإنما إلى وعد قديم يرفض أن يموت، وإلى شاعر اسمه عثمان عوض ضرار عرف كيف يحول اللغة إلى نبض، وملحن ومطرب اسمه عبد الرحيم أرقي عرف كيف يحول ذلك النبض إلى خلود.

مقالات ذات صلة

إغلاق