Uncategorized
من أعلى المنصة ياسر الفادني جابوهُ يِعَشِّر الغنم… قام رِضِعٍن!

من أعلى المنصة
ياسر الفادني
جابوهُ يِعَشِّر الغنم… قام رِضِعٍن!
في السودان، الأمثال لا تُولد من فراغ، وإنما تخرج من رحم التجربة، ولذلك ظل مثل (جابوه يعشر الغنم… قام رضعن!) واحدًا من أكثر الأمثال سخرية ودقة في وصف من يُؤتمن على الشيء فيلتهمه، ومن يُعطى المسؤولية فيحوّلها إلى غنيمة
كلما نظرت إلى حال قادة قحت، بشقيها (صمود وتأسيس) ، تذكرت هذا المثل، اختلفت اللافتات، وتبدلت الأسماء، لكن المدرسة واحدة، والمدرس واحد، والمنهج لم يتغير؛ كثير من الضجيج، قليل من السياسة، ولا شيء سوى الفشل وهو يرتدي ربطة عنق
جاؤوا يحدثون الناس عن الديمقراطية، فإذا بهم يؤسسون لدكتاتورية مدنية لم يعرفها السودان من قبل، رفعوا شعار الحرية، ثم ضاقوا بكل رأي يخالفهم ، تحدثوا عن العدالة، فإذا بها تُوزع على المقاس
، صدّعوا رؤوس الناس بمحاربة الفساد، ثم انشغل الناس بعد ذلك بعدّ ملفات المخالفات والاتهامات التي لاحقت بعض رموزهم ، ولجنة إزالة التمكين كانت المثال الأوضح، ما داموا مجتمعين كانوا ملائكة لا يخطئون، وما إن اختلفوا حتى بدأ كل واحد يكشف ما كان يخفيه عن الآخر، فإذا بالأسرار تتساقط كما تتساقط أوراق الخريف، وعرف الناس أن بعض من كانوا يرفعون أصابع الاتهام، كانت أصابع الاتهام نفسها تشير إليهم
العجيب في الأمر أن بعضهم لا يرى بأسًا في أن يقبض ثمن المواقف، ولا يجد حرجًا في تبديل المواقع إذا تبدلت الجهات الداعمة، عندهم السياسة ليست مبادئ، وإنما فاتورة تُدفع، ومن يدفع أكثر يحظى بالخدمة الأفضل
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يعود هؤلاء مرة أخرى إلى مقاعد السلطة، فالذي لم يحافظ على اللبن وهو في الإناء، لن يحافظ عليه وهو في الضرع
إني من منصتي أنظر …. حيث يحضرني هنا مشهد يعرفه أهل قري الجزيرة جيدًا. يقولون إن الورل إذا خرج من الترعة ورأى (غنماية ) ، يصدر أصواتًا تخدعها حتى تقترب، فإذا اطمأنت إليه رضعها، وبعدها لا تدر لبنًا طوال حياتها ، سواء اتفق الناس أو اختلفوا حول دقة الحكاية، فإنها أصبحت رمزًا بليغًا لكل من يستنزف المورد حتى يجف، ثم يرحل باحثًا عن ضحية أخرى،
وهكذا تبدو حال هؤلاء في نظر كثيرين؛ يقتربون بشعارات براقة، ويستعطفون الناس بكلمات رنانة، فإذا تمكنوا استنزفوا الدولة، وأرهقوا مؤسساتها، ثم تركوها تبحث عن ما يعيد إليها عافيتها .




