Uncategorized

نظرة فاحصة حول قانون مجلس الانتاج الحيواني المقترح* *(1) الحلقة الأولي* ✒️ بقلم.. د. هاشم أبوزيد*

*نظرة فاحصة حول قانون مجلس الانتاج الحيواني المقترح*

*(1) الحلقة الأولي*

✒️ *د. هاشم أبوزيد*

  • في سابقة غريبة لم يعرفها تاريخ السودان من قبل تمت صياغة قانون أغرب من الخيال يستغل اسم (خريجي الانتاج الحيواني) لإنشاء مجلس يحمل اسم (مجلس الانتاج الحيواني السوداني) تحت مظلة مشروع قانون يسمى ( مشروع قانون مجلس الانتاج الحيواني السوداني لسنة 2026) و هو قانون لا علاقة له بخريجي الانتاج الحيواني بل هو قانون تمت صياغته و مراجعته (خارج السودان) الهدف منه إدارة قطاع الثروة الحيوانية في السودان و سلب كل صلاحيات معالي وزير الثروة الحيوانية. و انتزاع صلاحيات سيادية تخص وزارات مثل وزارة المالية و وزارة التجارة و الصناعة و بنك السودان و بنك الثروة الحيوانية و غيرها من الأجسام الحكومية الأخرى التنفيذية و التشريعية و القضائية.

    قانون يذكرني بقوانين (حمورابي) التي درسناها في المرحلة الثانوية. و سوف أقوم بتشريح هذا القانون في حلقات متتابعة ليعرف الناس أن السودان مهدد بتفتيت أجسامه التنفيذية السيادية بخطة تبدأ بسلب صلاحيات الوزارات الاتحادية و تسليمها لكيانات تحت مسميات (مهنية) الهدف منها تدمير السلطة التنفيذية و التغول على السلطات التشريعية و القضائية للدولة.

    و هو مشروع قانون يخالف الدستور و القوانين و اللوائح المعمول بها في جمهورية السودان فى كافة قطاعات الدولة كما سيأتي تفصيله تباعاً في تشريح مواده.

    إن هذا القانون بصيغته التي كتب بها يعتبر مهدد للأمن و السلم الوطني فهو يضرم النار في واحد من أكبر قطاعات الدولة الاقتصادية، و هو قطاع الثروة الحيوانية و يحرم نحو 40% من الشعب السوداني من حقهم الذي كفله الدستور في العمل.

    إن القوانين لا (تطبخ) بليل خارج أرض الوطن على الموائد الفاخرة، و لكنها تكتب بدماء الشهداء و عرق الرجال في أرض الكرامة.

    و إننا على قناعة تامة بأن القائمين على أمر الدولة في أركانها الثلاث التنفيذية و التشريعة و القضائية لن يسمحوا بمرور هكذا قانون.

    و هي دعوة صادقة لخريجي الانتاج الحيواني للبحث عن هوية من يتخفى تحت إسمهم لتمرير هذا القانون ، و سيأتي تفسير أسباب هذه الدعوة في سياق تشريح القانون.

    في هذه الحلقة سوف أتحدث عن صلاحيات مجلس الانتاج الحيواني المقترح و مهامه حسبما جاء في مشروع القانون.

    *نبدأ في هذه الحلقة بتشريح المادة (6) صفحة (3) من القانون و هذا نصها:*
    مهام المجلس
    تكون للمجلس المهام الآتية:

    أ/ وضع الاستراتيجية الوطنية و السياسات العامة للإنتاج الحيواني

    ب/ إنشاء سجل السلالات الحيوانية المحلية و تطويرها

    ج/تحسين نظم إدارة و صحة القطيع

    د/ إدارة و تنمية و تطوير التغذية و المراعي و الأعلاف

    ه/تطوير و تحسين جودة المسالخ و مجازر الدواجن و الجلود و المناحل و وسائل النقل

    و/ تحديث و تطوير قطاع الثروة السمكية

    ز/ تنظيم الأسواق و التسويق و التصدير و سلاسل القيمة

    ح/ دعم صغار المربين و المنتجين

    ط/ جذب الاستثمار و *إنشاء مدن الإنتاج الحيواني*

    ي/ تعزيز علم و ممارسة الإنتاج الحيواني

    ك/ حفظ التقاليد و الموروثات المرتبطة بالإنتاج الحيواني

    ل/ أي مهام يقررها المجلس بالتشاور مع الوزير.

    *هذه المادة السادسة من القانون تقول للسيد وزير الثروة الحيوانية و السمكية: سلمنا مفاتيح الوزارة و أذهب أنت و وكيل وزارتك و العاملين فيها الى بيوتكم و نحن من يدير الوزارة و قطاع الثروة الحيوانية في السودان*

    فقد جاءت المادة السادسة من مشروع القانون المقترح تحت عنوان ( *مهام المجلس* )، لتمنح المجلس كافة اختصاصات و صلاحيات وزارة الثروة الحيوانية و السمكية، و مجموعة واسعة من الاختصاصات ، من بينها وضع الاستراتيجية الوطنية و السياسات العامة للإنتاج الحيواني، و إنشاء سجل للسلالات، و تحسين إدارة و صحة القطيع، و تطوير محطات الأبحاث، و إدارة و تنمية المراعي و الأعلاف، و تطوير المسالخ، و تحديث قطاع الثروة السمكية، و تنظيم الأسواق ووالتسويق و التصدير و سلاسل القيمة، و جذب الاستثمار، *و تطوير مدن الإنتاج الحيواني* ، فضلاً عن الإرشاد و التدريب و بناء القدرات و غيرها.

    عند تحليل هذه الاختصاصات في ضوء الطبيعة المعلنة للمجلس باعتباره (مجلساً مهنياً)، تظهر إشكالية جوهرية تتمثل في أن هذه الاختصاصات لا تتعلق بتنظيم ممارسة مهنة محددة، و إنما تتعلق بإدارة و تنمية و تنظيم قطاع الثروة الحيوانية و هو قطاع اقتصادي و استراتيجي كامل.
    و من هنا فإن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه هو:
    هل نحن أمام مجلس مهني ينظم مهنة، أم أمام هيئة قطاعية يناط بها وضع سياسات الثروة الحيوانية و إدارة و تنمية مواردها؟
    و للاجابة على هذا التساؤل دعنا نشّرح هذه المادة تشريحاً دقيقاً كما جاءت في قانون مجلس الانتاج الحيواني المقترح:

    *أ/ وضع الاستراتيجية الوطنية و السياسات العامة للإنتاج الحيواني*

    نص البند (أ) من المادة السادسة على ما يالي:
    (وضع الاستراتيجية الوطنية و السياسات العامة للإنتاج الحيواني في البلاد).
    و هذا الاختصاص يمثل، من حيث طبيعته، أول و أوضح مظاهر التناقض بين الصفة المهنية المعلنة للمجلس و بين الاختصاصات القطاعية و السيادية التي منحها المشروع له. فإعداد الاستراتيجيات الوطنية و السياسات العامة ليست في الأصل وظيفة مجلس مهني ينظم ممارسة مهنة معينة، و إنما هو من صميم العمل الحكومي و التخطيط الاستراتيجي للدولة.

    فالاستراتيجية الوطنية للإنتاج الحيواني ترتبط بالضرورة بقضايا مثل:
    – الأمن الغذائي.
    – الأمن الاقتصادي.
    – التجارة الخارجية.
    – الصادرات.
    – الأمن الحيوي.
    – صحة الحيوان.
    – إدارة الموارد الطبيعية.
    – المراعي.
    – المياه.
    – الأعلاف.
    – الاستثمار.
    – التصنيع.
    – البيئة.
    – التنمية الريفية.
    – التشغيل.
    – و التنمية الاجتماعية.
    و هذه كلها قضايا تتجاوز نطاق مهنة واحدة، بل تتجاوز في بعض جوانبها نطاق وزارة واحدة.
    و من ثم، فإن منح مجلس مهني سلطة وضع الاستراتيجية الوطنية و السياسات العامة يعني عملياً نقله من مستوى التنظيم المهني إلى مستوى صناعة السياسة العامة للدولة.
    و هنا تبرز إشكالية مؤسسية واضحة:
    إذا كان المجلس المقترح يضع الاستراتيجية الوطنية و السياسات العامة، فما هو الدور المتبقي لوزارة الثروة الحيوانية و السمكية الاتحادية المختصة في إعداد السياسات و الاستراتيجيات الوطنية للقطاع؟
    و إذا كانت الوزارة هي الجهة الحكومية المسؤولة عن القطاع، فكيف يمكن أن يتولى مجلس مهني وضع السياسات العامة التي تلتزم بها الدولة؟

    *ب/ إنشاء سجل السلالات الحيوانية المحلية و تطويرها*

    نص البند (ب) على:
    (إنشاء سجل السلالات الحيوانية المحلية و العمل على تطويرها وفق أحدث تقنيات الإنتاج الحيواني).
    و هنا يظهر نوع آخر من محاولة انتزاع سلطات و اختصاصات وزارة الثروة الحيوانية. فالموارد الوراثية الحيوانية الوطنية ليست شأناً مهنياً محضاً، و إنما تمثل جزءاً من الأصول الاستراتيجية للدولة، و ترتبط بالسياسات الوطنية للموارد الوراثية و التنوع الحيوي و الأمن الغذائي و التنمية المستدامة.

    كما أن تسجيل السلالات و توثيقها و حمايتها و تطويرها يرتبط بجهات سيادية تنفيذية و تشريعية و علمية و بحثية و إدارية متعددة و لا يمكن افتراض أنه اختصاص حصري لخريجي الإنتاج الحيواني لمجرد ارتباطهم بالتخصص أو بمجلس يجمعهم.

    و يزداد الأمر أهمية عندما يستخدم النص عبارة: (إنشاء سجل السلالات).
    فإنشاء سجل وطني رسمي للموارد الوراثية يختلف عن إنشاء سجل مهني للأشخاص.
    فالأول يتعلق بإدارة مورد وطني يرتبط مباشرة بمنظمة الفاو و قواعد و نظم تسجيل السلالات بالمنظمة.
    أما الثاني فيتعلق بتنظيم ممارسة مهنة.
    عليه، فإن إدراج إنشاء سجل السلالات ضمن اختصاصات مجلس مهني يعكس مرة أخرى انتقال المجلس من تنظيم مهنة إلى إدارة مورد استراتيجي من موارد الدولة.

    *ج/تحسين نظم إدارة و صحة القطيع*

    نص البند (ج) على:
    (تحسين نظم إدارة و صحة القطيع و تطوير محطات أبحاث الإنتاج الحيواني).
    و هذا النص يجمع بين ثلاثة مجالات مختلفة:
    – إدارة القطيع.
    – صحة القطيع.
    – البحث العلمي.
    و كل مجال منها له طبيعة مؤسسية مختلفة.
    أما صحة القطيع، فهي ترتبط بصورة مباشرة بالمنظومة البيطرية و الصحية، و بالوقاية من الأمراض و مكافحتها و الترصد الوبائي و الصحة العامة و الأمراض المشتركة بين الإنسان و الحيوان. و هو أمر يتعدى حدود الدولة الى التعامل مع منظمات دولية مثل المنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH) و عندما يتصل الأمر بصحة الإنسان في مكافحة الأمراض المشتركة مثل السعر يتقاطع الأمر بمنظمات دولية أخرى مثل منظمة الصحة العالمية، فما علاقة خريج الانتاج الحيواني أو أي تجمع أو أي مجلس يحمل اسم الانتاج الحيواني بهذه المنظمات الدولية التي تعنى تحديداً بصحة الإنسان و الحيوان؟!!
    و من ثم، فإن إدخال (صحة القطيع) ضمن الاختصاص العام لمجلس مهني للإنتاج الحيواني يثير تساؤلات عديدة حول الحدود الفاصلة بين اختصاص المجلس المقترح و اختصاص وزارة الثروة الحيوانية و السمكية الاتحادية و الجهات البيطرية القائمة و المجالس المهنية الأخرى.

    أما تطوير محطات الأبحاث، فهو بدوره شأن مؤسسي و علمي يتصل بالسياسات البحثية و بالجامعات و مراكز البحوث و الجهات الحكومية المختصة.
    و بالتالي، فإن المجلس المقترح لا يكتفي هنا بتنظيم مهنة، بل يدخل في:
    – صحة الحيوان.
    – البحث العلمي.
    – إدارة الموارد الحيوانية.
    و هذه مجالات لا يمكن جمعها تلقائياً تحت سلطة مجلس مهني.

    *د/ إدارة و تنمية و تطوير التغذية و المراعي و الأعلاف*

    نص البند (د) على:
    (إدارة و تنمية و تطوير نظم التغذية الحيوانية و المراعي الطبيعية و تشجيع إنتاج الأعلاف و المحاصيل العلفية و إدخال تقنيات حصاد المخلفات الزراعية و الصناعية و تحسين قيمتها الغذائية).

    يمثل هذا النص نموذجاً واضحاً على أن المجلس المقترح يتعامل مع منظومة الموارد الطبيعية و الإنتاج الزراعي و الصناعي.
    – فالتغذية الحيوانية مجال متعدد التخصصات.
    – و إنتاج الأعلاف يرتبط بالزراعة و الصناعة وصحة الحيوان.
    – و المحاصيل العلفية ترتبط بإدارة الأراضي و المياه.
    – و المراعي الطبيعية ترتبط بالموارد الطبيعية و البيئة.
    – و حصاد المخلفات الزراعية و الصناعية يرتبط بالاقتصاد الدائري و إدارة المخلفات و التقانات الصناعية.
    من هنا، فإن منح مجلس مهني صلاحية ( *إدارة* ) هذه المجالات لا يمثل مجرد تنظيم لمهنة، و إنما يمثل تدخلاً مباشراً في إدارة قطاعات الموارد الطبيعية و الحيوانية و الزراعية و الصناعية.
    و هنا يظهر السؤال المؤسسي:
    إذا كان المجلس المهني هو الذي (يدير) المراعي و الأعلاف، فما هو الدور الذي يبقى لوزارة الثروة الحيوانية و السمكية الاتحادية و الجهات الحكومية و الإدارات المتخصصة المسؤولة عن هذه الموارد؟!!
    إن هذا السؤال يتكرر في أكثر من بند من بنود مشروع القانون.

    *ه/تطوير و تحسين جودة المسالخ و مجازر الدواجن و الجلود و المناحل و وسائل النقل*

    نص البند (هـ) على:
    (تطوير و تحسين جودة المسالخ و مجازر الدواجن و الجلود و المناحل و وسائل نقل و ترحيل الحيوانات و لحومها).
    و هنا يدخل المشروع في مجالات تتعلق بما يلي:
    – الصحة العامة.
    – سلامة الغذاء.
    – الرقابة الصحية.
    – الرفق بالحيوان.
    – النقل.
    – التجارة.
    – الجلود.
    – الدواجن.
    – المناحل.
    و هي مجالات متعددة التخصصات و الجهات.

    – كما أن (جودة المسالخ) ليست مسألة مهنية لخريجي الإنتاج الحيواني، و إنما ترتبط بالتصميم الهندسي و التشغيل و الإدارة و السلطة البيطرية و سلامة الغذاء و الاشتراطات الصحية.
    – و كذلك فإن (مجازر الدواجن) ترتبط بسلسلة من المعايير الفنية و الصحية و البيطرية.
    – أما وسائل نقل الحيوانات و اللحوم، فتخضع بطبيعتها لقواعد متعددة تتعلق بالنقل و الرفق بالحيوان و السلامة الصحية.
    بالتالي، فإن منح مجلس مهني اختصاصاً عاماً بتطوير هذه المجالات يعزز الاستنتاج بأن المجلس المقترح ليس مجلساً مهنياً بالمعنى الضيق، وإنما كياناً قطاعياً متعدد الاختصاصات.

    *و/ تحديث و تطوير قطاع الثروة السمكية*

    نص البند (و) على:
    (تحديث و تطوير قطاع الثروة السمكية).
    و هنا يتضح التوسع بصورة أكبر. فالثروة السمكية قطاع اقتصادي له تخصصاته العلمية و مؤسساته و إدارته و موارده.
    كما أن تعريف (الإنتاج الحيواني) في القانون المقترح نفسه أدخل الأسماك ضمن نطاقه، ثم جاء اختصاص المجلس ليمنحه صلاحية تطوير قطاع الثروة السمكية. و هنا يكمن طرح سؤال جوهري:
    هل يصبح كل قطاع اقتصادي مرتبط بالحيوان أو الكائنات الحية جزءاً من اختصاص مجلس مهني؟ هو مجلس الانتاج الحيواني المقترح؟
    إذا كان الأمر كذلك، فإن المنطق التشريعي نفسه يمكن أن يقود إلى إدخال مجالات أخرى تحت مظلة المجلس.
    و هذا يوضح أن القانون المقترح لا يؤسس لمجلس مهني محدود، و إنما يضع أساساً لكيان تتوسع اختصاصاته لتشمل قطاعات اقتصادية متعددة.

    *ز/ تنظيم الأسواق و التسويق و التصدير و سلاسل القيمة*

    نص البند (ز) على:
    (تنظيم و تطوير الأسواق المرتبطة بالإنتاج الحيواني و تحسين نظم التسويق و التصدير و سلاسل القيمة و دعم القيمة المضافة باستغلال المنتجات الحيوانية و مخلفاتها).
    و هذا البند، يعتبر من أوضح الأدلة، على الطبيعة القطاعية للمجلس.
    فالأسواق و التسويق و التصدير و سلاسل القيمة ليست من صميم تنظيم مهنة أكاديمية، و إنما هي أدوات لإدارة الاقتصاد الوطني.
    و عندما يمنح مجلس مهني صلاحية تنظيم الأسواق، و التسويق، و التصدير، و سلاسل القيمة و القيمة المضافة. فإنه يدخل مباشرة في صميم السياسة الاقتصادية للقطاع.

    بل إن (التصدير) تحديداً يرتبط بالسلطة السيادية و بالسياسة التجارية للدولة، و بالجهات المختصة بالتجارة الخارجية و الجمارك والمواصفات و وزارة الثروة الحيوانية وسلامة الغذاء.
    و من ثم ، فإن هذا الاختصاص لا يمثل مجرد تداخل مع وزارة الثروة الحيوانية، و إنما يمتد إلى جهات حكومية أخرى مثل وزارة التجارة و الصناعة و المالية و بنك السودان و سلطات الأمن الاقتصادي و غيرها من السلطات السيادية ذات الصلة.
    و الأخطر أن عبارة: (تنظيم الأسواق) تتجاوز حتى مفهوم التطوير أو المشورة إلى الوظيفة التنظيمية المباشرة للأسواق، و تنتزع صلاحيات المحليات و المعتمديات و الولايات و بنك الثروة الحيوانية الذي يمتلك العديد من أسواق الثروة الحيوانية مثل سوق المويلح بغرب أمدرمان.

    *ح/ دعم صغار المربين و المنتجين*
    نص البند (ح) على:
    (دعم صغار مربي الحيوان و المنتجين عبر الجمعيات التعاونية و برامج ريادة الأعمال و التدريب و بناء القدرات و الإرشاد).

    و هذه اختصاصات تنموية و اجتماعية واسعة. فدعم صغار المنتجين يرتبط بالسياسات الزراعية و الريفية للدولة. و الجمعيات التعاونية تخضع لأطر قانونية خاصة بوزارة التجارة، و ريادة الأعمال ترتبط بالاستثمار و تمويل المشروعات و الإرشاد الزراعي و الحيواني وظيفة تنموية سيادية تقوم بها الوزارات المعنية. و التدريب و بناء القدرات مجال مؤسسي واسع.
    بالتالي، فإن المجلس المقترح ينتقل هنا من تنظيم مهنة إلى تنظيم و تمكين المنتجين و المربين.
    و هذا يؤكد مرة أخرى أن المشروع يتعامل مع (الإنتاج الحيواني) باعتباره قطاعاً مجتمعياً و اقتصادياً، لا مهنة واحدة.

    *ط/ جذب الاستثمار و إنشاء مدن الإنتاج الحيواني*

    نص البند (ط) على:
    (جذب الاستثمار الوطني و الأجنبي نحو تمويل و إنشاء البنية التحتية و تطوير *مدن الإنتاج الحيواني* ).
    إن هذا الاختصاص يحسم طبيعة المجلس المقترح. فجذب الاستثمار الوطني و الأجنبي ليس وظيفة لمجلس مهني. كما أن إنشاء البنية التحتية ليست وظيفة مجلس مهني.
    أما إنشاء و تطوير *مدن الإنتاج الحيواني* فذلك مشروع اقتصادي وتنموي واستراتيجي واعد طرحه معالي وزير الثروة الحيوانية ضمن استراتيجة وزارة الثروة الحيوانية و السمكية.
    عليه، فإن المجلس، وفق هذا النص، يتحول إلى لاعب وحيد في:
    – السياسة الاستثمارية.
    – التخطيط التنموي.
    – البنية التحتية.
    – المشروعات القومية.

    و هذه كلها وظائف تتجاوز تنظيم ممارسة مهنة.

    *ي/ تعزيز علم و ممارسة الإنتاج الحيواني*

    نص البند (ي) على:
    (تعزيز علم و ممارسة الإنتاج الحيواني).

    إن تعزيز (علم الإنتاج الحيواني) بكل فروعه يدخل في اختصاص الجامعات و مراكز البحوث و المؤسسات العلمية و وزارة التعليم العالي و البحث العلمي.

    أما ممارسة الانتاج الحيواني فهو نشاط تجاري يمتد من المراعي و المزارع حتى طاولة المستهلك و تتداخل فيه عشرات المهن و الوظائف و الحرف و حتى الهوايات بما يمثل حوالي 40% من مجموع الشعب السوداني.

    *ك/ حفظ التقاليد و الموروثات المرتبطة بالإنتاج الحيواني*

    نص المشروع كذلك على:
    (حفظ التقاليد و الموروثات المجتمعية و المحلية المرتبطة بالإنتاج الحيواني).
    إن حفظ الموروثات و التقاليد يدخل في مجالات الثقافة و التراث و المجتمع، ولا يمثل اختصاصاً مهنياً بالمعنى المعروف.
    و هذا يضيف بعداً جديداً إلى طبيعة المجلس، إلى جانب الأبعاد:
    – الاقتصادية.
    – و التنموية.
    – و الاستثمارية.
    – و البيئية.
    – و العلمية.
    – و التنظيمية.

    *ل/ أي مهام يقررها المجلس بالتشاور مع الوزير.*

    و هذه أرد عليها بالدارجي الفصيح: *(هو إنتو خليتو حاجة للوزير عشان تتشاورو فيها معاهو ؟!!!)*

    *الخلاصة المؤسسية لاختصاصات المجلس*

    عند جمع اختصاصات المادة السادسة الواردة في الصفحة (3) من القانون المقترح ، يمكن تصنيفها إلى مجموعات رئيسة:

    – *المجموعة الأولى* : اختصاصات حكومية و سيادية، مثل وضع الاستراتيجية الوطنية و السياسات العامة-

    – *المجموعة الثانية:* اختصاصات قطاعية، مثل تطوير الثروة السمكية و المراعي ورالأعلاف و الأسواق.

    – *المجموعة الثالثة:* اختصاصات اقتصادية، مثل التسويق و التصدير و سلاسل القيمة و القيمة المضافة.

    – *المجموعة الرابعة:* اختصاصات استثمارية و تنموية، مثل جذب الاستثمار و إنشاء البنية التحتية و *مدن الإنتاج الحيواني* .

    *المجموعة الخامسة* : اختصاصات بحثية و علمية، مثل تطوير محطات الأبحاث و تعزيز علم الإنتاج الحيواني.

    *المجموعة السادسة:* اختصاصات إرشادية و تدريبية، مثل التدريب و بناء القدرات و الإرشاد.

    *المجموعة السابعة* : اختصاصات شبه مهنية، وهي في الواقع محدودة للغاية مقارنة بالاختصاصات السابقة.

    و هنا تظهر المفارقة الأساسية:
    (إن الاختصاصات المهنية الخالصة التي يفترض أن تبرر إنشاء مجلس مهني تمثل صفراً خوارزمياً كبيراً في هذا القانون حسب نص المادة السادسة منه، بينما تستحوذ الاختصاصات الحكومية و القطاعية و التنموية و الاقتصادية و الاستثمارية على كامل اختصاصات المجلس ).

    عليه، فإن المادة السادسة تكشف أن المشكلة في مشروع القانون ليست مجرد تداخل عرضي بين مجلس مهني و وزارة الثروة الحيوانية، و الوزارات و القطاعات الحكومية الأخرى و المجالس المهنية القائمة فعلياً، وإنما يتعلق الأمر بجود خلل قانوني و دستوري في تحديد الطبيعة المؤسسية للمجلس من الأساس. فهو مجلس بني مع سبق الإصرار و الترصد على انتزاع سلطات وزاراة الثروة الحيوانية و الجهات الحكومية الأخرى في إدارة قطاع الثروة الحيوانية بالبلاد.
    فالقانون المقترح يريد للمجلس أن يكون:
    – مجلساً مهنياً في الاسم.
    – و هيئة تنظيمية في التسجيل.
    – و جهة حكومية في وضع السياسات.
    – و وزارة قطاعية في إدارة الموارد.
    – و هيئة اقتصادية في الأسواق و التصدير.
    – و جهة استثمارية في جذب رؤوس الأموال.
    – و مؤسسة تنموية في دعم المنتجين.
    – و جهة بحثية في تطوير محطات الأبحاث.
    و هذا الجمع بين هذه الوظائف المتباينة في كيان واحد يخلق ما يمكن تسميته: (التدمير الممنهج لقطاع الثروة الحيوانية في السودان) .
    فالأمر ليس إدارة للقطاع وحسب بل هو وسيلة لتفتيت السلطات التنفيذية للدولة و المتمثلة في الوزارات و الادارات و الهيئات التابعة لها و تشريد الموظفين و المهنيين كما سيأتي شرحه في مواد القانون المقيدة لحرية لعمل في قطاع الثروة الحيوانية و حصرها في فئة معينة.

    *مجلس الانتاج الحيواني المقترح هل هو مجلس مهني أم وزارات في جسم مجلس مهني؟!!*

    إن أخطر ما يترتب على الاختصاصات الواردة في المادة السادسة هو أنها لا تترك للمجلس المقترح مجالاً مهنياً مستقلاً فحسب، و إنما تنشئ له اختصاصات تنتزع الاختصاصات و الصلاحيات الطبيعية للوزارات الاتحادية و الولائية المختصة والجهات التابعة لها.
    فإذا كان المجلس يضع الاستراتيجيات والسياسات و ينظم الأسواق و التصدير، و يدير المراعي و الأعلاف، و يطور قطاع الثروة السمكية، و محطات الأبحاث، و يجذب الاستثمار و ينشئ *مدن الإنتاج الحيواني* و يضع سياسات السلالات و الموارد الوراثية، فما الداعي لوجود وزارة الثروة الحيوانية و السمكية في الأساس؟! و ما الداعي لوجود مجلس للوزراء إذا تم قيام مجالس مشابه في قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة و الذهب و الموارد المعدنية الأخرى و البترول و غيرها.
    إن اللبيب بالإشارة يفهم ، فقيام مجلس بكل هذه الصلاحيات لإدارة قطاع الثروة الحيوانية يعتبر سابقة قانونية خطيرة تمهد لقيام مجالس مشابهة للانتاج الزراعي و انتاج الذهب و انتاج البترول و غيرها من موارد الدولة مما يؤدي إلى تفتيت البنية التنفيذية للدولة و تجريد مجلس الوزراء من صلاحياته في ادارة القطاعات الاقتصادية ، و هذا هو الهدف الأساس من قيام هذا المجلس.
    لهذا يعمل أمثال هؤلاء في الظلام و يجتمون خارج السودان (لطبخ) مثل هذه القوانين الخطيرة ، بل و يذهب بهم الأمر إلى أكثر من ذلك في أشياء نمسك عن ذكرها الآن و نعلنها في حينها.

    *الخلاصة*
    إن التحليل المتكامل للمادة السادسة يقود إلى نتيجة واضحة:
    إن الاختصاصات الممنوحة للمجلس المقترح لا تتناسب مع طبيعة مجلس مهني، بل تنقل المجلس إلى نطاق إدارة و تنظيم قطاع الثروة الحيوانية بأبعاده الاقتصادية و الاستثمارية و التنموية و الاجتماعية والسيادية.

    عليه، فإن المشكلة لا تتمثل فقط في أن المجلس (ينتزع اختصاصات الوزارة أو بعض اختصاصات من وزارات أخرى)، و إنما في أن مشروع القانون يمثل إنشاء جسم بديل لوزارة الثروة الحيوانية و السمكية و لمجالس مهنية أخرى قائمة.

    وهذا يقودنا الآن بصورة طبيعية إلى تشريح المادة 14 من القانون الخاصة *بلجان المجلس* ؛ لأنها تكشف أن التوسع في الاختصاصات لم يكن مجرد صياغة عابرة في المادة السادسة، و إنما جرى تحويله إلى *هياكل تنفيذية دائمة* داخل المجلس.
    و هنا سنجد أن اللجان المقترحة تعيد إنتاج الوزارات و الإدارات الحكومية داخل مجلس يفترض أنه مهني.

    و قبل أن أختم أود أن أشير إلى أنه إذا كانت هنالك حروب تدور رحاها على الأرض و دماء تروي أرض السودان و أرواح شهداء تصعد للسماء لتحرير البلاد من دنس الجنجويد ، فإن هنالك أيادي خفية تحاول تفتيت البنية التنفيذية للدولة من الداخل تحت مسميات مهنية.

    إننا في قبيلة البياطرة نعلنها صراحة و دون مواربة إلى أن كل من تمتد يده للمساس و لو برأس دبوس بأمن و سلامة البلاد، و بالسيد وزير الثروة الحيوانية و السمكية و بحقوق الطبيب البيطري و بالمواطن السوداني فسوف نقطع دابره بالقانون.

    ….. نواصل في الحلقة القادمة تشريح المادة 14 من القانون المقترح … و القادم أخطر .

  • مقالات ذات صلة

    إغلاق