Uncategorized

الوعي خطورة استخدام الجبادات.. ضمان لاستقرار واستدامة التيار

كتب: عصام الصولي

لا يمكن الحديث عن التنمية أو النهضة الاقتصادية والاجتماعية بمعزل عن الكهرباء، فهي واحدة من أهم ركائز الحياة الحديثة، وأحد المقومات الأساسية لاستقرار المجتمعات ودفع عجلة الإنتاج. ومن هنا فإن مسؤولية المحافظة على استقرار التيار الكهربائي لا تقع على عاتق الجهات المختصة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة تتطلب وعيًا مجتمعيًا حقيقيًا، يبدأ من سلوك المستهلك وينتهي بحماية موارد الدولة ومقدراتها.
وفي اليومين الماضيين أطلقت وزارة الطاقة والنفط، ممثلة في الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء، حملة توعوية تحت شعار «إزالة الجبادة وتعزيز الترشيد»، بهدف الحد من التوصيلات العشوائية وتعزيز ثقافة الاستخدام الرشيد للكهرباء، بما يسهم في استدامة الخدمة وتحسين مستوى جودتها.
وفي تقديري، فإن الحملة جاءت بصورة مختلفة عن النمط التقليدي الذي اعتدناه في الحملات الإعلامية الحكومية، سواء من حيث الفكرة أو التنوع في الوسائل أو طريقة تقديم الرسالة. فقد اتجهت إلى مخاطبة المجتمع بأساليب أكثر حداثة وقربًا من الناس، وهو جهد يستحق الإشادة والتحية لكل من أسهم في إعداده وتنفيذه وإخراجه.
واللافت في هذه الحملة أنها لم تحصر رسالتها في وسيلة إعلامية واحدة، وإنما خاطبت شرائح المجتمع المختلفة عبر التلفزيون والإذاعة والدراما والمسرح الجماهيري والمطبوعات التوعوية، إلى جانب الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهي خطوة تعكس إدراكًا لأهمية تنويع أدوات التواصل للوصول إلى أكبر قدر ممكن من المواطنين.
لكن الحديث عن الكهرباء يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن سلوكنا نحن كمستهلكين، وهنا أتذكر قول الإمام الشافعي:
نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا
وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا
وَنَهجو ذا الزَمانَ بِغَيرِ ذَنبٍ
وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا
فكيف نطالب باستقرار الكهرباء، بينما أصبحت بعض الممارسات الخاطئة، وفي مقدمتها التوصيلات العشوائية واستخدام «الجبادات»، أمرًا مألوفًا في بعض المناطق، حتى كادت تتحول إلى ظاهرة؟ وكيف نطالب بتحسين الخدمة، بينما هناك من يتعامل مع الشبكة الكهربائية وكأنها مورد بلا حدود، متجاهلًا الآثار المترتبة على هذا السلوك؟
إن استخدام التوصيلات غير القانونية لا يمثل مخالفة فحسب، وإنما يشكل استنزافًا مباشرًا للطاقة ويؤدي إلى فقدان كميات كبيرة منها دون أن تُقاس أو تُحصّل قيمتها، وهو ما يعني في نهاية الأمر إهدارًا لموارد الدولة، وتقليلًا لقدرتها على تطوير الشبكات وصيانة مكوناتها وتحسين الخدمة المقدمة للمواطنين.
كما أن الأحمال غير المحسوبة الناتجة عن التوصيلات العشوائية تضع ضغطًا إضافيًا على الشبكة، وقد تؤدي إلى أعطال متكررة وانقطاعات للتيار، الأمر الذي ينعكس سلبًا على المشتركين الذين يلتزمون بالطرق القانونية ويدفعون قيمة استهلاكهم.
والأخطر من ذلك كله أن التوصيلات العشوائية تهدد الأرواح والممتلكات. فالكثير منها يتم بطريقة تفتقر إلى شروط السلامة والعزل الكهربائي السليم، الأمر الذي يرفع احتمالات حدوث الصعق الكهربائي والحرائق، وما قد يترتب على ذلك من إصابات خطيرة أو وفيات، فضلًا عن الخسائر التي قد تلحق بالمنازل والمحال والممتلكات.
وكما حثنا ديننا الحنيف على عدم الإسراف في استخدام المياه، حتى في الوضوء، فإن ترشيد استهلاك الكهرباء ينبغي أن يصبح سلوكًا يوميًا راسخًا في حياتنا. فالترشيد لا يعني أن نحرم أنفسنا من الكهرباء، وإنما يعني أن نستخدمها بقدر الحاجة، وأن نتجنب الهدر غير الضروري.
فليس من المنطقي أن يظل جهاز التكييف يعمل لساعات طويلة والمنزل خالٍ من سكانه، لمجرد أن يجد الإنسان غرفته باردة عند عودته. وليس من الحكمة كذلك تشغيل الأجهزة الكهربائية بلا حاجة أو ترك المصابيح مضاءة في الأماكن الخالية من الأشخاص.
وفي المقابل، فإن المواطن يحتاج أيضًا إلى بدائل اقتصادية معقولة. وهنا أوجه رسالتي إلى وزارة الطاقة والنفط والجهات ذات الصلة: إن تشجيع المواطن على ترشيد الكهرباء يجب أن يتزامن مع توفير البدائل المناسبة، وفي مقدمتها العمل على تخفيض أسعار غاز الطهي وتوفيرها بصورة مستقرة، حتى لا يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى استخدام الكهرباء في الطهي بحثًا عن وسيلة أقل تكلفة.
إن استقرار الكهرباء لا تصنعه محطات التوليد والشبكات وحدها، وإنما تصنعه أيضًا ثقافة المجتمع ووعي المواطن والتزامه. وكل مواطن يستطيع أن يكون جزءًا من الحل، من خلال الابتعاد عن التوصيلات العشوائية، والإبلاغ عن التجاوزات، وترشيد الاستهلاك، والمحافظة على الشبكة باعتبارها موردًا عامًا يخدم الجميع.
ولذلك فإن حملة «إزالة الجبادة وتعزيز الترشيد» ينبغي ألا تكون مجرد حملة إعلامية عابرة تنتهي بانتهاء إعلاناتها، بل يجب أن تتحول إلى مشروع وطني مستمر لترسيخ ثقافة التعامل المسؤول مع الكهرباء.
فالكهرباء حق للجميع، والمحافظة عليها مسؤولية الجميع، واستقرارها يبدأ من الوعي قبل أن يبدأ من محطة التوليد، ومن سلوك المواطن قبل أن يصل إلى أسلاك الشبكة. وإذا أردنا خدمة كهربائية مستقرة ومستدامة، فعلينا أن نغير أولًا بعض السلوكيات التي اعتدنا عليها، وأن ندرك أن كل كيلوواط نهدره اليوم قد يكون جزءًا من المشكلة التي نشكو منها غدًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق