Uncategorized

الكاتب العراقي عادل الجبوري يكتب مجاهدون أم لصوص سياسة؟

الكاتب العراقي عادل الجبوري يكتب مجاهدون أم لصوص سياسة؟

بعد عام 2003، عاد إلى العراق عدد من المعارضين للنظام السابق، ووصف بعضهم نضالهم السابق بأنه «جهاد». غير أن هذا الوصف، بوصفه موقفاً سياسياً أو أخلاقياً، لا ينبغي أن يعفي أي مسؤول من المساءلة عن أدائه بعد توليه السلطة.

فالسؤال الأهم اليوم ليس: من كان معارضاً؟ ولا من أطلق على نفسه لقب «مجاهد»؟ بل: ماذا قدّم كل مسؤول للعراق؟ وما الذي أنجزه خلال فترة توليه المنصب؟ وهل خضع أداؤه للرقابة والمحاسبة؟

لا يمكن تحميل جميع المعارضين أو السياسيين المسؤولية نفسها، فهناك من عمل في مؤسسات الدولة أو في الحياة العامة بقدر من النزاهة والكفاءة، وهناك آخرون ارتبطت أسماؤهم، وفق تقارير وتحقيقات وأحكام قضائية في بعض الحالات، بملفات فساد أو سوء إدارة أو استغلال للنفوذ. لذلك ينبغي أن تُبنى الأحكام على الوقائع الموثقة، لا على التعميم أو الانتماء السياسي وحده.

ومع ذلك، فإن الحصيلة العامة ما زالت تثير أسئلة جدية. فالعراق، رغم موارده النفطية الكبيرة، يواجه تحديات مستمرة في الكهرباء والمياه والوقود والصحة والتعليم والطرق والبنية التحتية. وقد أشار البنك الدولي في تقريره عن العراق لعام 2024 إلى استمرار فجوات الخدمات والبنية التحتية، والحاجة إلى استثمارات وإصلاحات مؤسسية واسعة لتحسين قطاعات الكهرباء والمياه والنقل. كما أوضحت الوكالة الدولية للطاقة في تحديثها لعام 2024 أن قطاع الكهرباء يعتمد بدرجة كبيرة على الغاز المستورد، وأن نقص الإمدادات والاختناقات في الشبكة يؤثران في موثوقية التجهيز.

وفي ملف المياه، حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2023 من تفاقم شح المياه وتراجع جودتها نتيجة تغير المناخ وسوء الإدارة وتضرر البنية التحتية، ولا سيما في المناطق المتأثرة بالجفاف.

أما الاقتصاد، فمشكلته لا تتمثل في غياب الموارد، بل في الاعتماد المفرط على النفط. وقد أشار صندوق النقد الدولي، في تقرير مشاورات المادة الرابعة بشأن العراق لعام 2025، إلى أن النفط يمثل المصدر الرئيسي للإيرادات والصادرات، وأن تقلب أسعاره يعرّض المالية العامة والاقتصاد لمخاطر كبيرة، مع استمرار الحاجة إلى تنويع الاقتصاد وتحسين الحوكمة.

وفي ما يتعلق بالفساد، فإن تصنيف العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، يعكس استمرار القلق من مستويات الفساد في القطاع العام. غير أن هذا المؤشر يقيس الانطباعات والتقييمات العامة، ولا يثبت بمفرده مسؤولية أفراد أو أحزاب بعينها؛ فإثبات المسؤولية يتطلب تحقيقات وأدلة وأحكاماً قضائية.

لذلك، لا يصح القول إن جميع من عارضوا النظام السابق أو شاركوا في العملية السياسية كانوا فاسدين أو استغلوا الدولة. لكن من حق المواطنين أن يسألوا كل مسؤول، أياً كان تاريخه أو انتماؤه:

ماذا أنجزت خلال فترة مسؤوليتك؟

أين ذهبت الأموال المخصصة للمشاريع؟

لماذا لم تتحسن الخدمات رغم مرور سنوات طويلة وتوافر موارد كبيرة؟

ولماذا ما زالت مؤسسات الدولة تعاني من ضعف الإدارة وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية؟

العراقي لا يحتاج إلى شعارات أو ألقاب، بل إلى دولة تحترم كرامته، ومسؤول يخضع للمساءلة على أساس النتائج، لا على أساس تاريخه السياسي أو خطابه الإعلامي.

وبعد أكثر من عقدين، لم يعد السؤال الأساسي: من كان مجاهداً أو معارضاً؟ بل أصبح:

من خدم العراق فعلاً؟
ومن أخفق في أداء مسؤولياته؟
ومن ثبت تورطه في الفساد أو استغلال النفوذ وفق الأدلة والقانون؟

فالتاريخ لا يحكم على السياسي من خلال اللقب الذي أطلقه على نفسه، بل من خلال ما تركه من مؤسسات وخدمات وفرص وحقوق للمواطنين. والمسؤولية لا تُوزّع بالتعميم، وإنما تُحدّد وفق الأداء والوقائع الموثقة والمحاسبة العادلة.

د. عادل الجبوري
صحفي وكاتب سياسي

مقالات ذات صلة

إغلاق