Uncategorized
اولاد الخرطوم محمد نجيب المصري وأمان عندوم الاثيوبي ، تشابه في الأفكار والمصير بقلم / علاء الدين محمد أبكر

اولاد الخرطوم محمد نجيب المصري وأمان عندوم الاثيوبي ، تشابه في الأفكار والمصير
بقلم / علاء الدين محمد أبكر
هل يمكن أن يولد رجلان في نفس المدينة، ويدرسا في نفس المدارس، ويصبحا أول رئيسين لبلدين مختلفين، ثم يموتا بنفس الطريقة على يد رفاق سلاحهما؟ هذه ليست رواية من نسج الخيال، بل هي الحقيقة الكاملة لقصة اللواء المصري محمد نجيب والفريق الإثيوبي أمان ميكائيل عندوم، وهي واحدة من أغرب حالات التشابه التاريخي في القارة الأفريقية.
ولد محمد نجيب في الخرطوم في التاسع عشر من فبراير عام 1901، حيث كان والده ضابطاً في الجيش المصري العامل بالسودان. وهناك نشأ والتحق بكلية غوردون التذكارية، أعرق مدارس أفريقيا في ذلك الزمان، ثم بالمدرسة الحربية وتخرج فيها عام 1918. وبعد ثلاثة وعشرين عاماً، وفي نفس المدينة الخرطوم، ولد أمان ميكائيل عندوم في الحادي والعشرين من يونيو عام 1924 لأسرة إريترية لجأت إلى السودان، وتلقى تعليمه أيضاً في مدارس الخرطوم الشهيرة، مدارس كمبوني وسانت جورج العسكرية. فالخرطوم لم تكن مجرد مكان ميلاد عابر للرجلين، بل كانت المدرسة التي شكلت شخصيتهما وقيمهما، فمدارسها كانت تدرس قيم القانون والانضباط والتعايش بين الأديان والأعراق المختلفة.
صنع الرجلان مجدهما العسكري بعيداً عن العاصمة وبعيداً عن صراعاتها. فمحمد نجيب اشتهر كبطل في حرب فلسطين عام 1948 حيث أصيب سبع مرات ومنح نجمة فؤاد العسكرية، ثم عين حاكماً لسيناء ومسؤولاً عن مدافع الماكينة في العريش. وكان مثقفاً بشكل نادر بين ضباط جيله، فكان أول ضابط مصري يحصل على ليسانس الحقوق عام 1927، ثم حصل على دبلوم في الاقتصاد السياسي عام 1929 ودبلوم في القانون الخاص عام 1931، وأسس مجلة الجيش المصري عام 1937. أما أمان عندوم فصنع أسطورته في حرب أوغادين ضد الصومال حتى لقبته الصحافة العالمية بلقب أسد الصحراء، وقاد قبلها القوات الإثيوبية التي انطلقت من السودان لتحرير إثيوبيا من الاحتلال الإيطالي عام 1941، وشارك لاحقاً في قيادة القوات الإثيوبية لحفظ السلام في كوريا والكونغو. وكان الرجلان هما الأكثر نظافة يد وشعبية في جيشيهما.
عندما قرر الضباط الشباب في مصر القيام بحركة 23 يوليو 1952، كانوا جميعاً برتب صغيرة لا تتجاوز الصاغ والمقدم، ومتوسط أعمارهم في الثانية والثلاثين، ومجهولين تماماً لدى الشعب المصري. كانوا يحتاجون لوجه كبير محترم يغطي حركتهم ويمنحها الشرعية أمام الداخل والخارج، فلم يجدوا أفضل من اللواء محمد نجيب. وتكرر نفس المشهد بحذافيره في إثيوبيا عام 1974. فعندما أطاح الضباط الشباب في تنظيم الدرج بالإمبراطور هيلا سيلاسي، كانوا أيضاً مجهولين وصغار السن، فبحثوا عن وجه كبير محبوب يمنح انقلباهم الشرعية، فلم يجدوا أفضل من الفريق أمان عندوم. وهذه قاعدة معروفة في أدبيات الانقلابات العسكرية تسمى نظرية الواجهة المحترمة، فكل انقلاب ناجح يحتاج لوجهين، وجه ثوري متطرف يدير التنظيم من الداخل، ووجه معتدل محترم يقدمه للخارج.
هنا بدأت المأساة الحقيقية، فالواجهة المحترمة صدقت أنها رئيس حقيقي. فمحمد نجيب بعد وصوله لرئاسة الجمهورية في الثامن عشر من يونيو عام 1953 كأول رئيس لمصر بعد إلغاء الملكية، طالب بعودة الجيش إلى ثكناته وتسليم السلطة لبرلمان مدني منتخب وإنهاء حالة الطوارئ، وكان يرى أن مهمة الجيش انتهت بسقوط الملك. أما أمان عندوم بعد توليه رئاسة إثيوبيا في الثاني عشر من سبتمبر عام 1974، فقد صدم رفاقه في الدرج بثلاثة مواقف مبدئية، حيث رفض توسيع المجلس العسكري ليشمل متطرفين جدد، ورفض إعدام ستين مسؤولاً من النظام الإمبراطوري السابق دون محاكمة قائلاً كلمته الشهيرة لا نستبدل ظلماً بظلم، ورفض الحل العسكري في إريتريا ودعا لحل سلمي وسياسي لمشكلة بلده الأصلي. المنطق الذي تحدث به الرجلان كان منطق الخرطوم التي تربيا فيها، منطق القانون والمحاكمة والتسامح، أما منطق رفاقهما فكان منطق التنظيم السري المغلق، الولاء للتنظيم فوق القانون، وأن الثورة يجب أن تأكل أعداءها لتستمر.
وكانت النتيجة متوقعة وحتمية. ففي الرابع عشر من نوفمبر عام 1954 اجتمع مجلس قيادة الثورة في مصر وقرر عزل محمد نجيب ووضعه تحت الإقامة الجبرية في فيلا مهجورة في المرج، وشطب اسمه من كل الكتب والصحف والوثائق لمدة ثلاثين عاماً كاملة، حتى ظن كثير من المصريين أنه قد توفي وأن جمال عبد الناصر هو أول رئيس لمصر. ظل سجيناً سبعة عشر عاماً حتى أفرج عنه الرئيس السادات عام 1971، وظل ممنوعاً من الظهور الإعلامي حتى مات منسياً فقيراً في الثامن والعشرين من أغسطس عام 1984. وفي الثالث والعشرين من نوفمبر عام 1974، وبعد أربعة وسبعين يوماً فقط من الحكم، حاصرت دبابات الدرج منزل أمان عندوم في أديس أبابا وطلبت منه الاستسلام، فرفض وقاتل حتى قتل في منزله برصاص رفاقه، وفي نفس الليلة نفذت الدرج مذبحة السبت الدامي بإعدام ستين مسؤولاً من النظام السابق.
إنه اغتيال معنوي لنجيب واغتيال جسدي لعندوم، لكن المضمون واحد وهو التخلص من تيار الاعتدال داخل المؤسسة العسكرية. قصة نجيب وعندوم ليست مجرد صدفة تاريخية طريفة، بل هي قانون يتكرر عبر التاريخ عندما تتوفر نفس الظروف، ضباط شباب يصنعون ثورة ويستعينون برمز معتدل لكسب الشرعية ثم ينقلبون عليه عندما يطالب بسيادة القانون. ويبقى الدرس الأهم أن السودان في النصف الأول من القرن الماضي لم يكن مجرد جغرافيا، بل كان مدرسة حقيقية أنتجت نموذجاً للعسكري المثقف المعتدل في مواجهة نموذج العسكري الثوري المتطرف، ولو انتصر نموذج نجيب وعندوم لتغير تاريخ وادي النيل والقرن الأفريقي كله.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com

