Uncategorized
سمح القول بحق حبيبي الفول بقلم: علاء الدين محمد أبكر

سمح القول بحق حبيبي الفول
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
يعتبر الفول المصري حبيب الشعب السوداني فهو طبقاً رئيسياً لمعظم السودانيين، حيث لا يفارق المائدة السودانية في الإفطار وفي العشاء، بل هو المائدة نفسها. وبالطبع لا يوجد صنف غيره، فنحن لسنا من الشعوب التي تتعدد عندها الأطباق على السفرة وتحتار ماذا تأكل، تلك رفاهية لا نعرفها إلا قلة من أصحاب المال الذين يأكلون ما لذ وطاب، ولكن الأغلبية الساحقة، تسعون بالمئة من هذا الشعب، تعتمد على الفول كوجبة أساسية مقدسة، وحتى في المكاتب والأسواق والمدارس والمستشفيات والورش هو سيد الموقف بلا منازع.
وللفول عندنا حكاية وحكايات، فقد كان الفول في الماضي القريب ملكاً متوجاً تضاف إليه العديد من المقبلات الفاخرة مثل الطعمية الساخنة والمش الحامض وزيت السمسم النقي الذي يلمع وعجينة الفول السوداني “الدكوة” التي تعطيه الدسم، والجبنة البيضاء المالحة والتونة والبصل الأبيض الحار والثوم والشمار والبيض المقلي، وكانت تلك الخلطة الأسطورية تعرف بـ “البوش”، وهو اسم شعبي سوداني خالص لا علاقة له بالرئيس الأمريكي الراحل جورج بوش الأب، والاسم أتى من صحن كبير اسمه “الباشري” تقدم فيه الحنة السودانية في الأعراس، ولأن العبقرية السودانية ليس لها حدود فقد تم اختيار أكبر الصحون مثل صحن الباشري ليكون وعاءً لتلك الخلطة الفولية التي لا توجد في أي مكان على ظهر الأرض إلا في السودان، خلطة تجمع الفقراء حولها فيأكلون ويضحكون ويشبعون.
ولكن مع تقلب الأزمان وتقلب الحال، تقلصت الفتة وتقزمت، نسبة لارتفاع التكاليف الجنوني، حيث اكتفى الناس بتناول الفول مضافاً إليه قليل من الزيت الحار “زيت الطعمية” والبصل فقط بدون أي إضافات أخرى، ذهبت الدكوة وذهب المش وذهبت الجبنة، ومع اشتداد الضغط الاقتصادي وخنق المواطن أكثر وأكثر لجأ الناس إلى العدس والبليلة العدسية كبديل أرخص، ولكن بعد ارتفاع سعر العدس هو الآخر وصار سعره كسعر اللحمة، رجعنا مرة أخرى إلى الفول مضطرين، فهو الملاذ الأخير للفقير، هو خط الدفاع الأخير ضد الجوع.
هذه الأيام نسمع عن قرار كارثي بحظر استيراد الفول من الخارج، ولو صح هذا الخبر فالرماد كال حماد كما يقول المثل السوداني، ماذا نفعل بعدها؟ هل نلجأ إلى الأكل على الماء الدافئ والملح؟ فالعدس تم منع استيراده قلنا ما في مشكلة نصبر ونتحمل، طيب الفول المصري مشكلته شنو؟ ذنبه شنو؟ هل أصبح الفول أيضاً سلعة تهدد الاقتصاد الوطني؟
نحن لا ننتج الفول المصري بكميات تكفي حاجة البلاد حتى نقول يجب تشجيع المنتج المحلي وحمايته من المنافسة، فالإنتاج المحلي ضعيف وهزيل ولا يغطي حتى ولاية واحدة من ولايات السودان، فكيف نمنع المستورد ونحن لا نملك البديل؟ هل نريد أن نطبق سياسة التجويع الممنهج؟
وحتى الذين يخرجون علينا في القنوات الفضائية ويقولون يجب الاعتماد على الوجبات الشعبية والعودة إلى الكسرة والعصيدة والقراصة، نقول لهم إن في البلاد أزمة صامتة في وقود الطهي لا يتحدث عنها أحد ولا يشعر بها المسؤولون، فمعظم الناس لا طاقة لها بشراء أسطوانة غاز قد يصل ثمنها إلى 100,000 ألف جنيه، وحتى الفحم والحطب غير مقدور عليه وصار بالشيء الفلاني، فكيف تطلب من مواطن لا يملك حق الغاز أن يطبخ عصيدة تحتاج إلى نار ساعة كاملة؟ الفول كان هو الحل العبقري للفقير لأنه لا يحتاج إلى نار كثيرة في البيت، فهو يأتي مطبوخاً جاهزاً من المطعم
يجب على من يريد التنظير والحديث عن الاقتصاد أن يتكلم بلغة المواطن البسيط ، لا بلغة أصحاب المال والأعمال والشركات الذين لا يشعرون بمعاناة الناس ولا يدخلون أسواقهم ولا يعرفون سعر صحن الفول كم.
إن الله سبحانه وتعالى جالس في كرسي العدل يراقب كل شيء، يراقب من يصدر القرارات ومن يوقع عليها ومن يصمت عليها، وحذاري من غضب الله، وحذاري من دعوة الجائع المظلوم التي ليس بينها وبين الله حجاب، ومن يتعمد إذلال الناس وتجويعهم والتضييق عليهم في أبسط حقوقهم فلا نملك إلا أن نردد هذا الدعاء من قلوب محروقة: اللهم أرنا عجائب قدرتك فيهم.
ومن أراد مخافة الله ورضاه عليه بالتصدي لكل من يتلاعب بقوت الناس و أرزاقهم حتى لا يكون شيطاناً أخرس ساكتاً عن الحق.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



