Uncategorized
الذهب.. حكاية مهنة ولدت من رحم المعاناة وأصبحت اقتصادا موازيا بقلم / علاء الدين محمد أبكر

الذهب.. حكاية مهنة ولدت من رحم المعاناة وأصبحت اقتصادا موازيا
بقلم / علاء الدين محمد أبكر
لم تكن مهنة التنقيب عن الذهب في السودان مهنة متوارثة ولا صناعة قديمة بالمعنى الحديث، بل ظهرت في مطلع القرن الجديد كصرخة احتجاج صامتة ضد الفقر، وعرفت بين الناس باسم التعدين الأهلي أو مهنة الدهابة. والسبب الحقيقي وراء انفجار هذه الظاهرة ليس حب المغامرة كما يظن البعض، بل ضيق ذات اليد وهجر المزارعين لمزارعهم والرعاة لمراعيهم، بعد أن أصبحت الزراعة بلا عائد مجز والرعي بلا جدوى في ظل الجفاف وارتفاع تكلفة الإنتاج وانعدام الدعم الحكومي. فكان الذهب هو الملاذ الأخير، لأن عائده طيب وسريع، قطعة صغيرة قد تغير حياة أسرة كاملة في يوم واحد.
وبدأت الهجرة الكبرى، هجرة لم تشهدها البلاد من قبل، شباب وشيوخ، طلاب جامعات وخريجون، مزارعون وتجار، كلهم تركوا قراهم ومدنهم وتوجهوا نحو الصحراء. انتشرت مواقع التعدين في كل أرجاء البلاد، من صحراء البحر الأحمر ونهر النيل والشمالية في الشرق والشمال، إلى دارفور وكردفان وجبال النوبة في الغرب. بل إن الحلم تجاوز الحدود، فوصل السودانيون إلى عمق الصحراء الكبرى، إلى تشاد والنيجر وليبيا والجزائر، ووصلوا حتى موريتانيا على المحيط الأطلسي، يقطعون آلاف الكيلومترات بحثا عن الذهب، في رحلات محفوفة بالموت والعطش والضياع.
وتعتبر مهنة الدهابة جديدة بشكلها الحالي الشعبي والواسع، فقبلها كانت محدودة جدا ومحصورة في جهات رسمية. فمنذ قيام محمد علي باشا والي الدولة العثمانية على مصر بغزو السودان عام 1821م، كان هدفه الأول هو الذهب والرجال، ولم تأت بعده جهة ذات ثقل حقيقي للعمل في استخراج الذهب بصورة منظمة ومستدامة. كانت منطقة بني شنقول هي مسرح التعدين التاريخي، وهي اليوم تقع داخل حدود إثيوبيا بالرغم من أنها أرض سودانية خالصة كانت تتبع لمملكة الفونج وسلطنة سنار، وهي تحظى بقدر كبير من الذهب السطحي الذي لا يحتاج إلى الحفر العميق، وقد فقدناها بسبب الإهمال التاريخي للحدود.
أما اليوم، فإن التنقيب في شرق السودان قد خدم المنطقة وأهلها بصورة واضحة، فخلق فرص عمل لشباب الشرق الذين عانوا من التهميش طويلا، إضافة إلى القادمين من مناطق أخرى من البلاد، فأصبحت أسواق مثل هيا وأبو حمد وعبري تنبض بالحياة بفضل الذهب. وكذلك غرب البلاد يمتلك مناطق غنية ومبشرة بالذهب مثل جبل شيبون الشهير في جبال النوبة، ومناطق وادي هور والحدود مع ليبيا، وهي مناطق بكر وغنية ولكنها تحتاج إلى استقرار أمني وتنظيم.
ومع مرور الوقت وتنامي أهمية الذهب كمورد أول للعملة الصعبة، قامت الدولة بإنشاء الشركة السودانية للموارد المعدنية وغيرها من الشركات الحكومية، ولكن للأسف لم يشهد القطاع أي تطوير حقيقي في عمليات التعدين الأهلي. ظل التعدين بدائيا وخطيرا، يعمل بوسائل يفتقر لأدنى مقومات السلامة المهنية. حفر آبار تصل إلى عشرات الأمتار بدون دعامات، بدون تهوية، بدون خوذات أو أقنعة، فكانت النتيجة سقوط المئات من العاملين أمواتا بسبب انهيار آبار التعدين، شباب دفنوا أحياء تحت الأرض وهم يبحثون عن لقمة عيش كريمة، ولا يجدون حتى من يخرج جثامينهم.
والأخطر من ذلك هو الدمار البيئي، فقد أفسد التعدين العشوائي التربة والماء باستخدام مواد كيميائية قاتلة مثل السيانيد والزئبق، تستخدم لفصل الذهب عن التراب، ثم تلقى مخلفاتها في العراء لتتسرب إلى المياه الجوفية وتلوث الزرع وتصيب الإنسان بالفشل الكلوي والسرطانات والأمراض الجلدية. قرى كاملة في الشمالية ونهر النيل تشتكي اليوم من التلوث بسبب طواحين وغسالات الذهب.
إن هذه المهنة التي أصبحت اليوم تمثل عصب الاقتصاد السوداني ومصدر رزق لما يقارب أربعة ملايين مواطن بشكل مباشر وغير مباشر، تحتاج إلى مراجعة شاملة وصادقة وعاجلة.
نحتاج أولا إلى مراجعة أنظمة السلامة للعاملين، بتدريبهم وتوفير معدات السلامة وإلزام الشركات بتطبيقها، وضمان حقوقهم عبر التأمين الصحي والاجتماعي وتعويض أسر الضحايا.
ونحتاج ثانيا إلى إشراف حقيقي وصارم من وزارة الصحة ووزارة البيئة على المواد المستخدمة في التعدين، ومنع استخدام الزئبق والسيانيد في المناطق المأهولة وقرب مصادر المياه، واستبدالها بطرق حديثة وآمنة.
ونحتاج ثالثا إلى تقنين القطاع وتنظيمه بحيث تستفيد الدولة من عائداته في بناء المدارس والمستشفيات بدلا من أن يهرب عبر التهريب، ويستفيد المواطن من خير أرضه، حتى لا يكون الذهب نقمة تدمر البيئة وتحصد الأرواح بعد أن كان نعمة من الله لهذا الشعب الصابر.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com.



