Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني العيد الجاب الناس… ما جاب الظَرِف !

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

العيد الجاب الناس… ما جاب الظَرِف !

في الأعياد الماضية كان المشهد لحمدوك مرتبًا بعناية؛ أوراقٌ تُكتب، وخططٌ تُفصّل، وتصوّر كامل بميزانية تبدو في ظاهرها عملاً سياسيًا أو نشاطًا عامًا، لكنها في حقيقتها كانت أشبه بقائمة مشتريات طويلة عنوانها العريض: (نثريات العيد)! . ملايين الدولارات تُرصّ في السطور، ثم تُرسل عبر وسيطٍ مهم إلى الكفيل الإماراتي، فيوقّع الرجل على التصديق وكأن الأمر مشروع تنموي عظيم، بينما الحقيقة أن الدراهم كانت تعرف طريقها جيدًا إلى الجيوب قبل أن تعرف طريقها إلى أي نشاط

تمتلئ جيوب الكبار أولًا، حتى تكاد الأقمشة تضيق بما حملت، ثم يتساقط الفتات في الطريق، حيث هناك يقف الهتيفة والمصفقاتية في طابورٍ طويل، ينتظرون (العطية)! التي قد تأتي وقد لا تأتي، بعضهم يعود بجيبٍ خفيف وصوتٍ مبحوح، وبعضهم تُرمى له عطيةٌ صغيرة يقال عنها في لغة السوق (عطية مُزَيِّن)… يكفي أن يبقى الصوت مرتفعًا، والتصفيق مستمرًا

لكن عيد هذا العام يبدو مختلفًا تمامًا.
كتبوا التصوّر كالعادة، رتّبوا البنود، وزيّنوا الأرقام، وأرسلوا الأوراق عبر الوسيط نفسه، غير أن الرسالة هذه المرة وصلت إلى كفيلٍ مشغول بعبارة واحدة: (نفسي نفسي) ! وحين ألحّ الوسيط قليلًا، جاءه الرد الساخر:
(نحن في شنو… والسجم ديل في شنو؟!)
ومنذ تلك اللحظة تغيّر المشهد كله

الخشوم مفتوحة في انتظار النثريات، لكن الهواء وحده يدخل ويخرج، الجيوب التي اعتادت أن تمتلئ قبل العيد تبدو هذه المرة كصحارى جافة، لا درهم فيها ولا حتى الا أبو النوم الذي يتربع في الجيوب

الوسيط أغلق هاتفه بإحكام، وكأن الشبكة انقطعت فجأة عن هذا الكوكب، أما الحسابات التأسيسية والقحاتية فحدّث ولا حرج… فيها الصفر الكبير جالسًا مثل حارسٍ صارم يمنع أي رقم من الدخول

هكذا فجأة اكتشف البعض أن السياسة التي بُنيت على دفاتر الكفلاء تشبه تمامًا الحيطة المايلة، قيل قديمًا: من انتكل على حيطة مايلة بتجي واقعة فيه (بردلب)! … وها هي الحيطة تتهاوى الآن، والغبار يتصاعد فوق رؤوس الذين ظنوا أنها جدارٌ لا يسقط

أما الذين اتكأوا على حثالة الناس، فكما يقول المثل السوداني: مصارينو يباس. لا سند هناك، ولا وفاء، ولا حتى مجاملة عابرة، حين ينقطع المال ينقطع التصفيق، وحين يجفّ الحليب يكتشف الصغار أن البقرة لم تكن لهم أصلًا

ولعل بعضهم الآن يستعيد بيت المتنبي الشهير وهو ينظر إلى العيد بعينٍ دامعة وجيبٍ فارغ:
عيدٌ بأيّة حالٍ عدت يا عيدُ… بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديد؟
لكن الحقيقة أن الأمر ليس تجديدًا بقدر ما هو انكشاف ،انكشاف لفكرةٍ كاملة عاشت طويلًا على الهبات، وظنت أن الضجيج يمكن أن يكون مشروعًا، وأن التصفيق يمكن أن يكون سياسة، وأن الكفيل سيظلّ يفتح الخزائن إلى الأبد
أما اليوم، فالعيد جاء… لكن الظرف لم يأتِ.

مقالات ذات صلة

إغلاق