Uncategorized
*كيف أجهضت اللوبيات محصولاً نقدياً قامت عليه نهضة السودان التنموية *بقلم: علي عبدالله أبو (رناد)

*كيف أجهضت اللوبيات محصولاً نقدياً قامت عليه نهضة السودان التنموية
*بقلم: علي عبدالله أبو (رناد)
حين نتحدث عن أزمة المواصلات في الخرطوم وأمدرمان مطلع التسعينيات، لا يمكن تجاوز تجربة “التاكسي التعاوني” الأصفر. كانت استجابة سريعة لمشكلة خانقة، أدخلت عبرها عربات سعة 7 ركاب لتخفيف الضغط على النقل العام. يومها رافقت المشروع ضجة إعلامية لا تتناسب مع حجمه، لكن الواقع اليوم أكثر بلاغة من كل تلك الضوضاء: العربات ذاتها لا تزال تعمل في شوارع أمدرمان بعد أكثر من 35 عاماً، وهو عمر كافٍ لدحض الروايات التي شككت في جدوى المشروع أو في الجهة التي استوردته.
الجهة التي جلبت التاكسي التعاوني لم تتوقف عنده. واصلت استيراد بصات “تاتا” الهندية، ثم بصات “الإتيوري”. كانت تلك الخطوة أول تدخل منهجي لإنعاش النقل الجماعي، وخفض الاعتماد على المركبات الخاصة، وأعطت المواطن خياراً أرخص وأكثر انتظاماً. الأثر لم يكن مجرد عربات في الشارع، بل تخفيف مباشر على دخل الأسرة وحركة الطلاب والعمال.
1. مليار دولار للقطن.. فرصة لم تتكرر
مع تراجع عائدات النفط وتراجع ثقة المؤسسات المالية الدولية في الاقتصاد السوداني، صار استجلاب التمويل الخارجي للزراعة ضرورة لا ترفاً. هنا دخلت شركة “متكوت” على الخط، ونجحت في ترتيب تمويل بقيمة مليار دولار من بنك ABC عبر قناة فرنسية، لصالح شركة الأقطان الحكومية.
الأهمية لا تكمن فقط في الرقم، بل في السابقة: لا شركة خاصة ولا مؤسسة حكومية سبقت “متكوت” في جلب تمويل بهذا الحجم لمحصول استراتيجي مثل القطن. لا شركة دال، ولا الشركة التجارية الوسطى، ولا غيرها، وصلت إلى هذا المستوى من التفاوض والضمانات.
الاتفاق نص على تكوين شراكة بين شركة الأقطان و”متكوت” لزراعة 400 ألف فدان في المرحلة الأولى. سُدد جزء من القرض لوزارة المالية لصالح البنك الأفريقي، بينما وُضع المتبقي وديعة في بنك أبوظبي بالإمارات. هنا تبدأ الأسئلة التي لم تجد إجابة حتى اليوم: من سحب هذه الوديعة؟ وأين ذهبت؟
الغموض دفع “متكوت” إلى فتح بلاغ، قُبض على إثره مدير شركة الأقطان آنذاك، لكن القضية لم تُغلق بشفافية تريح الرأي العام.
2. توسع ثم انكسار.. دور اللوبي
المشروع لم يتوقف عند 400 ألف فدان. توسع إلى 800 ألف فدان، وكان من المفترض أن يدخل مرحلة جديدة بضخ دفعة ثانية قيمتها 250 مليون دولار. لكن ما حدث لاحقاً يكشف كيف تعمل شبكات المصالح داخل الاقتصاد السوداني.
شركات منافسة في سوق المدخلات الزراعية رأت في المشروع تهديداً مباشراً لاحتكارها. وبدلاً من المنافسة في السوق، اختارت الاشتغال على القرار السياسي. وبحسب الوقائع المتداولة، تدخل الرئيس عمر البشير حينها لصالح شركة خاصة، فتوقفت الإجراءات، وقُبض على مديري شركة الأقطان والعضو المنتدب، وأوقف بنك ABC التمويل بالكامل.
الخاسر الأكبر لم يكن “متكوت” ولا شركة الأقطان، بل المزارع الذي كان ينتظر أسمدة وآليات وجرارات بأسعار معقولة، وقناة تمويل بعيداً عن السماسرة. والأكثر دلالة أن وكالة جرارات “تاف” التي جاءت بها “متكوت” وشركة الأقطان، انتهى بها المطاف في يد شركة دال، في إعادة توزيع للأصول تخدم اللوبي ولا تخدم الأرض.
3. المحاولة الثانية.. نفس السيناريو خارج الحدود
بعد انهيار المشروع داخلياً، انتقلت “متكوت” إلى أديس أبابا. هناك طُلب منها ترتيب تمويل سعودي بنفس القيمة تقريباً لشراء معدات زراعية وأسمدة ومدخلات وجرارات. الفرصة كانت متاحة لتعويض ما ضاع، لكن النتيجة كانت نسخة مكررة من السيناريو الأول.
التمويل لم ينفذ. الأسباب هذه المرة إدارية وسياسية: فصل أكثر من 90% من الكوادر المؤهلة في الشركة، والإبقاء على موظفين وأصحاب مصلحة لهم ارتباطات بشركات منافسة خارجية. مرة أخرى، تغلبت شبكات المصالح على الكفاءة، وضاع التمويل، وبقيت الأرض بلا مدخلات.
4. لماذا يفشل التمويل في السودان وينجح في غيره؟
القصة ليست عن نقص التمويل، بل عن بيئة إدارية وقانونية تسمح للوبيات بإعادة توجيه الأموال. التمويل الزراعي لا يرتبط بالأشخاص، ولا يتوقف على من يقف عليه. هو مصلحة قومية يمكن ضبطها عبر قوانين وزارة المالية، وزارة التجارة، والمراجعة العامة بوزارة العدل. لكن غياب الشفافية يجعل كل مشروع عرضة للاختطاف.
الدليل أن نفس الجهات التي عرقلت تمويل القطن، تعود اليوم بذات الأسلوب. إدارة بعض الشركات أنشأت كيانات في الإمارات بلا نشاط فعلي، واستخدمت أموال الشركة والعملة الصعبة في عمليات لا تخضع للرقابة. في الوقت نفسه، مشاريع الجزيرة، حلفا، والرهد التي دمرها الدعم السريع تحتاج إلى تأهيل عاجل، والتمويل المتفق عليه يشمل ذلك صراحة: مدخلات، آليات، تأهيل بنية تحتية، وزراعة 500 ألف فدان قطن كمرحلة أولى.
5. الثمن يدفعه المزارع
في النهاية، كل هذه المناورات لا تقع على الشركات الكبيرة، بل على المزارع البسيط. هو من يدفع ثمن غلاء السماد، واحتكار المبيد، واحتكار الجرار. هو من يبيع محصوله بثمن بخس، بينما تتضخم أرباح شركات المدخلات. وأبناؤه يعيشون في العوز، بينما أبناء أصحاب الشركات يتمتعون بأموال “التربالة” كما يصفها المزارعون.
خاتمة: الشفافية أو لا شيء
السودان لا ينقصه التمويل، ولا ينقصه الأرض، ولا ينقصه الطلب العالمي على القطن والسمسم والصمغ. ما ينقصه هو نظام يحمي التمويل من الاختطاف، ويضع المزارع في قلب المعادلة.
المطلوب الآن ليس شعارات جديدة، بل قرارات عملية:
1. فتح ملفات التمويل السابق وبيان مصير الأموال.
2. ربط أي تمويل جديد بآلية مراجعة مستقلة عبر وزارة العدل والمراجع العام.
3. منع تضارب المصالح بين موظفي الشركات العامة والشركات الخاصة في ذات القطاع.
4. إشراك اتحادات المزارعين في إدارة وتمويل المشاريع، حتى لا تبقى مجرد متلقٍّ للأوامر.
إذا استمرت الأمور على ما هي عليه، سيذهب التمويل الجديد إلى نفس المصير: وعود على الورق، وشركات في دبي بلا نشاط، ومزارع ينتظر الموسم القادم بيدٍ خاوية. وإذا تغيرت، فقد يعود القطن “الذهب الأبيض” إلى مكانته، وتعود معه كرامة المزارع وكرامة البلد.
نبأ الي علمي أن التمويل الجديد إبتدأ أن يأخذ مساره الي دولة أخرى غير السودان ، عليه من هذا المقام نضع رسالة عاجلة في بريد رئيس مجلس الوزراء لإتخاذ قرار بتبني هذا الأمر و إمكانية تكوين لجنة لمراجعة قرار عدم تنفيذ التمويل قبل ما ينفذ في الدولة الأخرى ، وخلق مصفوفة للإستفادة منه لحوجة البلاد والعباد والله الموفق …..


