Uncategorized

علاء الدين محمد أبكر يكتب برحيله مات الحب الحقيقي.. وداعاً أمير الغناء العربي هاني شاكر

علاء الدين محمد أبكر يكتب برحيله مات الحب الحقيقي.. وداعاً أمير الغناء العربي هاني شاكر

سكت الكلام، وجف الحبر، وانكسر الوتر. رحل يوم الأحد 3 مايو 2026 أمير الغناء العربي الفنان هاني شاكر عن عمر ناهز 73 عاماً، بعد صراع مرير مع المرض في العاصمة الفرنسية باريس. رحل الرجل الذي كان آخر قلاع الطرب الأصيل، فانهارت برحيله جدران كثيرة كنا نحتمي بها من عواصف الإسفاف.

لم يكن هاني شاكر مجرد صوت جميل. كان مدرسة كاملة في الرقي والإحساس. أكثر من 600 أغنية و29 ألبوماً صنعت وجدان أجيال عربية كاملة. من “كده برضه يا قمر” إلى “نسيانك صعب أكيد”، كان صوته وطناً للحب النظيف، وملاذاً للقلوب المتعبة. حين يغني، تشعر أن الرومانسية ما زالت على قيد الحياة، وأن الكلمة الحلوة لم تمت بعد.

بدأ طفلاً في برامج الأطفال، واكتشفه الموسيقار محمد الموجي ليقدمه في حفل كبير مع فايزة أحمد. ومنذ ذلك اليوم، ظل يحمل راية الطرب الرصين خمسة عقود كاملة، لم يساوم فيها على فنه، ولم ينحنِ لموجة هابطة.

هاني شاكر لم يغنِ فقط، بل مثّل في أفلام مثل “عايشين للحب” و”هذا أحبه وهذا أريده”، ووقف على خشبة المسرح في “سندريلا والمداح”. كان فناناً شاملاً يعرف قيمة الكلمة واللحن والأداء.

وحين تولى منصب نقيب الموسيقيين عام 2015، لم يكن منصباً شرفياً. كان حارساً أميناً على هيبة الفن المصري. اتخذ قرارات صارمة لتنظيم الساحة الفنية، ودافع عن الذوق العام بشخصية قوية هادئة. وقف في وجه كل من حاول أن يجر الفن إلى مستنقع الابتذال.

ولن ينسى التاريخ موقفه الحازم حين تصدى للفنان محمد رمضان عندما كاد ينحرف بالمسار الفني عن أصوله. لم تكن معركة شخصية، بل كانت معركة قيم. قالها بوضوح: المسرح له قدسيته، والفن رسالة، واحترام الجمهور خط أحمر. كان يدرك أن النقابة ليست لحماية الأجور فقط، بل لحماية الهوية.

بدأت رحلة الوجع بنزيف حاد في القولون بسبب جيوب مزمنة. دخل المستشفى في مصر، وخضع لجراحة استئصال جزء من القولون، ثم استئصاله بالكامل بعد نزيف متكرر. توقف قلبه 6 دقائق قبل أن ينعشه الأطباء.

سافر إلى فرنسا في مارس لاستكمال العلاج والتأهيل. تحسن قليلاً، ثم عاد إلى العناية المركزة بعد فشل تنفسي. وفي غرفة العناية بمستشفى “فوش” بباريس، أسدل الستار. نعاه نجله شريف بكلمات تقطر وجعاً: “لم أفقد أبا فقط، بل فقدت روحي وأقرب إنسان إلى قلبي”.

اليوم، لا نبكي مطرباً فقط. نبكي زمناً كاملاً من الصدق الفني. نبكي رجلاً غنى للحب دون ابتذال، وللوجع دون صراخ، وللوطن دون متاجرة. نبكي “الأستاذ” الذي ظل يحترم نفسه وجمهوره حتى آخر نفس.

برحيل هاني شاكر، خسر الفن العربي عموده الفقري. خسرنا الضمير الموسيقي الذي كان يذكرنا أن الفن ليس سلعة، وأن الكرامة الفنية لا تُشترى. سكت الكلام فعلاً كما قالت الفنانة نادية مصطفى، لأن بعض الغيابات لا تُعوض.

نم قرير العين يا أمير. تركت إرثاً من 600 أغنية ستظل تداوي جراح العاشقين، وتركت سيرة نقيب شريف دافع عن الفن حتى الرمق الأخير. صحيح أنك رحلت، لكن صوتك سيبقى القلعة الحصينة التي يحتمي بها كل من يؤمن أن الطرب الأصيل لا يموت.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com
رئيس الاتحاد العربي للاعلام الالكتروني فرع السودان

مقالات ذات صلة

إغلاق