Uncategorized

من أعلى المنصة ياسر الفادني وداعاً صاحب الدعاء الجميل: ربي ما تحرم بيت من الأطفال

من أعلى المنصة

ياسر الفادني

وداعاً صاحب الدعاء الجميل: ربي ما تحرم بيت من الأطفال

رحل اليوم الفنان محمد سيد أحمد، لكن صوته لم يرحل… تركه معلقاً في سقوف البيوت السودانية، يتردد كلما تعالت ضحكة طفل، وكلما امتلا بيت بحركة الصغار وهم يركضون بين أمهاتهم وآبائهم، بعض الأصوات لا تغيب حين يرحل أصحابها، لأنها كانت جزءاً من تفاصيل الحياة نفسها

كان محمد سيد أحمد يغنّي ببساطة تشبه الناس، لا يتكلّف ولا يتعالى على المشاعر الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير للحياة، كان يعرف أن البيت بلا أطفال صمتٌ طويل، وأن ضحكاتهم هي الموسيقى التي تجعل الجدران تنبض بالحياة، لذلك حين غنّى: (ربي ما تحرم بيت من الأطفال) لم يكن يؤدي أغنية فحسب، بل كان يطلق دعاءً خرج من قلب المجتمع كله،
في تلك الأغنية كان راوياً حنوناً لحكاية البيت السوداني؛ صباحٌ تبدأه الأم بابتسامة وهي تنظر إلى صغارها، وأبٌ يتظاهر بالصرامة بينما قلبه يلين كلما مدّ طفل يده الصغيرة يطلب مصروفه، وضجيجٌ بسيط يملأ المكان لكنه يمسح تعب الأيام الثقيلة

كم من أبٍ عاد إلى بيته مثقلاً بالهموم، فاستقبلته ضحكة طفل فشعر أن الدنيا ما زالت بخير ، وكم من أمٍ أنهكها التعب، فغسلت روحها بسمة صغيرة من وجه ابنها، تلك هي الحقيقة التي غنّاها محمد سيد أحمد دون تكلف: أن الأطفال ليسوا زينة الحياة فقط، بل هم عزاؤها أيضاً.
وحين كان صوته يردد: (ضحكة رنانة… بسمة ريانة) هي : صورة كاملة للحياة داخل البيت؛ ضحكة تملأ المكان، وبسمة تزرع الطمأنينة في قلب الأب والأم

واليوم، حين يرحل صاحب اللحن، يشعر الآباء والأمهات بشيء من الحزن الخفي، لأن الصوت الذي كان يذكّرهم بمعنى الأبوة والأمومة قد صمت، لكن أغنيته لا تزال حاضرة، تُسمع في الذاكرة كلما ضحك طفل، وكلما ركض صغير نحو حضن أمه، أو جلس إلى جوار أبيه يروي له حكايات المدرسة

بعض الفنانين يتركون ألحاناً جميلة… لكن قلة منهم يتركون دعاءً يعيش في قلوب الناس. ومحمد سيد أحمد كان من هؤلاء القلة؛ جعل من أغنيته أمنية مشتركة لكل بيت: أن يبقى الأطفال ضحكةً لا تنقطع

إني من منصتي …. أصب دمعا….. وأقول : وداعاً يا صاحب الضحكة الرنانة والبسمة الريانة…
رحلت جسداً، لكن صوتك سيبقى في كل بيت، يذكّر الآباء والأمهات بأن أعظم نعمة في الدنيا هي تلك الأقدام الصغيرة التي تركض في الممرات، وتلك الضحكات التي تجعل الحياة أخف وأجمل،
نم هادئاً… كما عشت هادئا ….. لك الرحمة والمغفرة

مقالات ذات صلة

إغلاق