Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني الضربة القاضية تأتي من الخلف

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

الضربة القاضية تأتي من الخلف

في ميزان الحروب لا تُقرأ حركة الجيوش بالعين المجردة، بل بالعقل العسكري البارد الذي يعرف أن الخريطة لا تُحكم بالعاطفة، وأن الأرض ليست دائمًا هي الهدف، بل القدرة على السيطرة على إيقاع المعركة، لذلك حين يُعلن عن انسحاب تكتيكي لجيشٍ منظم من مدينة مثل بارا، فإن أول ما يجب فهمه أن الجيوش المحترفة لا تتحرك بمنطق الاندفاع، بل بمنطق الحسابات الدقيقة حيث تصبح الخطوة إلى الخلف أحيانًا مقدمة لخطوتين إلى الأمام

في العلم العسكري، الانسحاب التكتيكي ليس هزيمة، بل هو أحد أدوات القتال المشروعة التي تلجأ إليها الجيوش حين ترى أن بقاءها في موقع معين يستهلك قدراتها دون عائد عسكري حقيقي، أو حين تريد سحب الخصم إلى مساحات أوسع أقل حماية وأكثر عرضة للاستهداف، الجيوش المنظمة لا تقاتل لتحتفظ بكل شارع وكل منزل، بل تقاتل لتحتفظ بميزان القوة، وهذا هو الفارق الجوهري بين الجيش النظامي والمليشيا؛ فالأول يحسب المعركة بمنطق الحرب الكاملة، بينما الثانية تقاتل بمنطق اللحظة

مدينة بارا، مثل كثير من مدن الحروب الحديثة، أصبحت مسرحًا لحركة مدّ وجزر بين القوات المسلحة والمليشيا، وهذا في ذاته ليس أمرًا غريبًا في العمليات العسكرية المعقدة، فالحرب ليست خطًا مستقيمًا، بل موجات متتالية من التقدم والتراجع وإعادة التقدير،السيطرة على مدينة ثم الانسحاب منها ثم العودة إليها مرة أخرى قد يكون جزءًا من عملية أوسع هدفها إنهاك الخصم واستنزاف قدراته البشرية واللوجستية

ما يسمى في العلم العسكري إعادة التموضع هو عملية منظمة تقوم بها القوات لإعادة توزيع وحداتها وفق معطيات المعركة، يحدث ذلك عندما تعيد القيادة العسكرية ترتيب قواتها بحيث تنتقل الوحدات من مواقع مكشوفة أو مستنزفة إلى مواقع أكثر فاعلية، أو عندما يجري تجميع القوة في محور معين تمهيدًا لهجوم أكبر،في هذه الحالة لا يكون الهدف الحفاظ على الموقع ذاته، بل الحفاظ على القدرة القتالية للوحدة العسكرية

إعادة التموضع تتم وفق خطوات دقيقة: أولها تقييم الموقف العملياتي، ثم تحديد خطوط الانسحاب الآمنة، وتأمين تحرك القوات بالغطاء الناري والاستطلاع، ثم إعادة تجميع الوحدات في نقاط دفاع أو هجوم جديدة، وخلال هذه العملية يكون الهدف الأساسي هو تقليل الخسائر، والحفاظ على القوة الضاربة، وتحويل الجغرافيا إلى عنصر يخدم الخطة العسكرية بدلاً من أن يتحول إلى عبء عليها

من أهم فوائد هذا الأسلوب أنه يمنع الخصم من فرض معركة في التوقيت والمكان الذي يريده، فعندما يتقدم الخصم إلى موقع يظن أنه انتصر فيه، قد يكون في الحقيقة قد دخل إلى مساحة مكشوفة أو خطوط إمداد طويلة تجعله أكثر عرضة للضربات اللاحقة،كثير من الجيوش الكبرى في التاريخ استخدمت هذا التكتيك؛ فالتراجع المحدود كان أحيانًا وسيلة لاستدراج العدو وإجهاده قبل توجيه الضربة الحاسمة

في الحروب غير المتكافئة بين الجيوش النظامية والمليشيات يظهر هذا الفارق بوضوح المليشيا غالبًا ما تعتمد على الاندفاع والسيطرة المؤقتة على المدن لإنتاج صورة إعلامية توحي بالانتصار، لكنها في الغالب لا تمتلك منظومة السيطرة المستدامة ولا القدرة على حماية خطوط الإمداد أو إدارة المعركة على المدى الطويل، أما الجيش المنظم فينظر إلى المعركة بمنظور أوسع، حيث تصبح المدينة مجرد نقطة في مسرح عمليات كبير تتحرك فيه الوحدات وفق خطة متدرجة، لهذا فإن مشهد انتقال السيطرة على مدينة مثل بارا بين طرف وآخر لا يعني بالضرورة تغيّر ميزان الحرب، بل قد يعكس طبيعة العمليات العسكرية الجارية ، فالجيش الذي يملك القدرة على التحرك، والانسحاب المنظم، وإعادة الانتشار، ثم العودة للهجوم، هو في الحقيقة الجيش الذي ما زال يحتفظ بمرونة القرار وبالقدرة على التحكم في مسار المعركة

إني من منصتي أنظر ….حيث أري…. في نهاية المطاف، الحروب لا تُحسم بمن يرفع رايته لساعات فوق مدينة، بل بمن يمتلك القدرة على إدارة الزمن العسكري، والتحكم في الإيقاع العملياتي، وإجبار الخصم على القتال وفق الشروط التي يضعها، وعندما تكون القوة قادرة على الانسحاب المنظم كما هي قادرة على التقدم، فإن ذلك يعني شيئًا واحدًا في ميزان العلم العسكري: أن زمام المبادرة ما زال في يد القوات المسلحة.

مقالات ذات صلة

إغلاق