Uncategorized
علاء الدين محمد أبكر يكتب: الحج أقدم رحلة عبر التاريخ الإنساني

علاء الدين محمد أبكر يكتب: الحج أقدم رحلة عبر التاريخ الإنساني
رحلة إيمانية تتجدد كل عام صوب الكعبة المشرفة، تحمل في طياتها معاني التوحيد والتجرد والمساواة. إنها رحلة الحج، التي لم تبدأ مع الإسلام، بل سبقته بقرون طويلة.
منذ أن وضع البيت للناس، كانت للكعبة قداسة وحرمة معروفة عند العرب. فالبيت الحرام حرم فيه القتال، وقصدته القبائل من كل حدب وصوب للحج والطواف. كانت العرب تعظمه وتؤدي مناسكه، وإن اختلطت عباداتها بالوثنية مع مرور الزمن.
وجاء الإسلام فأعاد للحج نقاءه وصفاءه. نظمه بضوابط شرعية دقيقة، وأبطل ما كان يمارس في الجاهلية من طواف عراة، وتصفيق، وتصفير. جعله عبادة خالصة لله وحده، لا تشوبها شائبة شرك أو رياء.
وللحج شروط تضمن طهارته وقبوله. منها أن يكون مال الحاج حلالاً طيباً، خالياً من شبهة الربا والغش. ومنها أن يترك الحاج لأهله ما يكفيهم من نفقة وطعام حتى يعود، فلا يخرج تاركاً عياله للفاقة. لذلك سمي الحاج ضيف الرحمن، ومن هنا جاءت مكانته.
وأهل مكة كانوا ولا يزالون يتسابقون في إكرام وفادة الحجاج. يهيئون المسكن والمأكل والمشرب والراحة، ابتغاء الأجر والمثوبة. ومع قيام الدول الإسلامية، دخلت الحكومات هذا السباق الشريف. فكل دولة حكمت الحرمين اعتبرت خدمة ضيوف الرحمن شرفاً لا يدانيه شرف.
والمملكة العربية السعودية، باعتبارها الدولة التي تتولى رعاية الحرمين الشريفين اليوم، جعلت خدمة البيت العتيق رمزاً لقيادتها. فاتخذ ملكها لقب خادم الحرمين الشريفين. ولم تبخل الدولة بالمال والجهد لإنجاح كل موسم حج. فالاستعدادات تبدأ مع انتهاء حج العام الماضي لاستقبال حجاج العام الجديد. هذا الجهد المتواصل دليل على عظمة هذه الشعيرة ومكانتها في قلوب المسلمين.
رحلة الحاج في الماضي كانت شاقة ومحفوفة بالمخاطر. من يخرج للحج قد لا يعود إلى أهله بسبب قطاع الطرق، أو عصابات الرق، أو الجوع والعطش في صحارى مجهولة. كثير من الحجاج لم يصلوا إلى مكة، فاستقروا في مدن على الطريق، وعملوا فيها حتى يجدوا ما يواصلون به سفرهم.
وفي المقابل كان هناك حجاج ميسورو الحال سلكوا الطريق بيسر. ومن أشهرهم الملك موسى منسا، سلطان مالي بغرب إفريقيا. خرج بقافلة محملة بالذهب والرقيق والفرسان لحمايتها. وكان إذا أدركته صلاة الجمعة بنى في مكانه مسجداً، فترك على طول الطريق إلى مكة معالم لا تزال تذكر.
وكل الملوك المسلمين تسابقوا في خدمة الحجاج. وفي السودان كان سلطان الفور علي دينار يرسل إلى مصر ما عرف بـ”الصرة” لشراء المحمل وكسوة الكعبة. لم يقف عند ذلك، بل حفر آباراً على طريق الحج ليسقي منها الحجاج. وحتى الرئيس السوداني الراحل جعفر محمد نميري تبرع بزراعة أشجار النيم لتظلل الحجاج في المشاعر المقدسة.
هكذا ظل الحج عبر التاريخ رحلة تتجاوز المكان والزمان. رحلة يجتمع فيها الملوك والفقراء، العرب والعجم، على صعيد واحد، بلباس واحد، ونداء واحد: لبيك اللهم لبيك.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



