Uncategorized
*ترجل الفارس وبقي الأثر: في رثاء الدكتور عمر الضو الخضر* بقلم الدكتور / جلال يوسف الدقير

*ترجل الفارس وبقي الأثر: في رثاء الدكتور عمر الضو الخضر*
بقلم الدكتور / جلال يوسف الدقير
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله الأمين
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
صدق الله العظيم.
بقلبٍ يعتصره الحزن، ونفسٍ مؤمنةٍ بقضاء الله وقدره، أنعى أخي وصديقي ورفيق رحلة العمر الدكتور عمر الضو، الذي أسلم الروح إلى بارئها صبيحة يوم القَرِّ العظيم (أعظم أيام الله بعد يوم النحر) في داره بمدينة زايد ، تحيط به أسرته الصغيرة، وفي يده كتاب «دلائل الخيرات»، وعلى وجهه ابتسامة الرضا بلقاء ربٍ كريم.
فى صباح الخميس اتانى فاجعاً الخبر الحزين فاثار غصةً فى الحلق و انحساراً لمدد الرفقه وانطفاءً لومضة نبل انسانى مهيب. وبرغم يقيننا الراسخ بان كل نفس ذائقة الموت وبقوله تعالى (انك ميت و انهم ميتون) وبرغم ما كتبه اهل المعرفة و الشعراء مثل قول شوقى
انما الموت منتهى كل حىءءء اذ لم يصيب مالك من الملك خلدا
سنة الله فى العباد ءءء و امر ناطق عن بقاءه لا يردا
إلا أن فلسفة الفناء تظل عصية على النفس لا تعتادها
التقيت عمر لأول مرة ونحن طلابٌ غضٌّ في السنة الأولى بمدرسة خورطقت الثانوية؛ جئتُ أنا من المجلد عاصمة ديار المسيرية، وجاء هو من الجديد عمران على تخوم الخرطوم. ومنذ اللحظة الأولى كان مختلفاً، مميز الحضور، واضح الشخصية، يمتلك ذلك البريق الذي لا تخطئه النفوس.
في خورطقت، تلك المؤسسة القومية العريقة التي كانت تصقل الشخصية والعقل والوجدان، كان لعمر حضورٌ لافت في المناشط الاجتماعية والثقافية والسياسية، مستنداً إلى ذكاءٍ اجتماعي وأكاديمي لازمه طوال حياته. ومنذ صباح ذلك اليوم البعيد من يوليو قبل عقودٍ طويلة، نشأت بيننا مودةٌ وألفةٌ ومحبةٌ وصداقة لم تنقطع رغم تقلبات الأيام ومشاغل الحياة وما حمله القدر من ابتلاءات.
تقاسمنا في تلك السنوات الجميلة كل شيء؛ أحلامنا الصغيرة، ومصاريفنا القليلة، وأيامنا الحلوة والمرة. وكان عمر يتولى أمرنا بمحبةٍ وكرم، وحين تشتد أيام الامتحانات كان يصر على أن «يبحبح» علينا، فنشتري لعم بارودي شيئاً من الفراخ، وتطهو لنا زوجته ـ جزاها الله خيراً ـ ما يسند جوع الطلبة في داخليةٍ كثيراً ما كانت تعجز وجباتها عن سد الرمق.
ومنذ ذلك الصبا المبكر كان عمر ودوداً، كريماً، معطاءً، قريباً إلى النفوس، خفيف الروح، منبسط السجية. ومنذ نعومة أظفاره تجلت فيه خصال الفرسان وألفة الخلان.
عشنا معاً أجمل سنوات العمر في الأبيض، عروس الرمال، يوم كانت بحق عروس المدن السودانية؛ بمكتباتها ومسارحها وسينماتها ومقاهيها وأسواقها العامرة. كنا نجوب طرقاتها ونتقاسم تفاصيل الحياة فيها، حتى شاءت الأقدار في سنتنا الأخيرة أن يُختار عمر رئيساً لداخلية تِكتوك، وأُختار أنا رئيساً لداخلية أبوعنجة، وكانتا متجاورتين، ثم جمعنا الجوار مرة أخرى حتى في حجرات السكن.
بعدها انتقلنا سوياً إلى كلية الطب بجامعة الخرطوم، وسكنا معاً في غرفة واحدة بصحبة الأحبة الدكتور السر أبوالحسن والدكتور عبدالرحمن حامد، فكانت مرحلة أخرى من الصفاء والمودة والجمال.
كان عمر صديقاً صدوقاً وأخاً حبيباً تألفه الأرواح. عفوياً في علاقاته، شجاعاً مقداماً، كريماً جواداً. وبرغم دراسته للطب، ظل مرتبطاً بأرض أهله ومشروع والده عمنا الحاج الضو، يعمل في الحواشات ويقود الحاصدات بشغفٍ وحيوية، كأنما خُلق للحركة والعمل والإقدام.
وفي سنتنا الأخيرة بالجامعة، فاجأني برغبته في الزواج من شقيقتي وداد. ولم نتردد لحظة، فقد كان معروفاً ومحبوباً لدى كل أفراد أسرتنا، فتم الأمر وسط فرحٍ غامر ومحبةٍ صادقة.
ثم تخرجنا، وتفرقت بنا سبل الحياة. ولم أندهش حين اختار عمر طريق العمل الخاص؛ فقد كان جريئاً مبادراً لا يخشى المغامرة. لكن تقلبات الاقتصاد وما صاحبها من انهيارات مفاجئة أثقلت كاهله في مقتبل العمر، فواجه ذلك كله بشجاعةٍ وصبر. ثم حمل اسمه التجاري وارتحل إلى ليبيا، حيث أسس عملاً كبيراً، وكسب ثقة الكثيرين من أهل الأعمال هناك، وأنجز أعمالاً يذكرها الناس له بالخير.
وكان بيته في طرابلس مضيفةً عامرةً للسودانيين؛ لا ينقطع عنه الضيوف والزوار، يستقبلهم ببشاشته ووجهه الطلق وطعامه الممدود ويده المبسوطة، حتى صار ذكره مقروناً بالكرم والمروءة في قلوب كثير من الليبيين والسودانيين.
ثم عاد إلى السودان، وبدأ مرحلة جديدة من العمل والعطاء، إلى أن وقع ذلك الحادث الأليم قبل عشرين عاماً في منطقة النيل الأبيض. يومها ظننت أن عمر لن يعيش بعدها يوماً، لكنه كان مقاتلاً شرساً، صلب الإرادة، فصمد كل هذه السنوات الطويلة، وإن ظل ـ ويا للأسف ـ حبيس ذلك الابتلاء القاسي، وهو الإنسان الذي لم يعرف السكون يوماً.
وكان في بيته زوجاً كريماً وأباً محباً، عامل أسرته الصغيرة بالمودة والاحترام وحسن العشرة، فانعكس ذلك جلياً في تربية أبنائه وما بلغوه من نجاحٍ في العلم والعمل.
وحين أقعده المرض، تجلت في زوجته وأبنائه وبناته أسمى معاني البر والوفاء. أحاطوه بعنايةٍ ومحبةٍ لا تنقطع، وضربوا أروع الأمثلة في الصبر والإخلاص.
أما الشريفة وداد، فقد تعاملت مع القدر برضا ومحبة. صبرت ولم تضجر، وكانت دائمة الابتسامة، توزع الفرح على من حولها. وظلت دارها مفتوحة لإكرام الضيف وإطعام الأحباب، وزرعت في أبنائها قيم الصبر والثبات، وكانت تخفي بين ضلوعها ألماً لا تمحوه الأيام.
أما ابنه إبراهيم، وكان حديث التخرج في كلية الهندسة حين وقع الحادث، فقد وهب سنوات عمره لرعاية والده، ولم يفارقه ليلاً ولا نهاراً طوال هذه الأعوام، دون كللٍ أو شكوى. فجزاه الله عن أبيه خير الجزاء.
لقد انفطر قلبى حزناً على رحيلك و تفطرت منى الدموع السواجم ولكن رزء فقدك لن توفيه الدموع
نم قرير العين يا عمر فأنت بين يدى رب رحيم غفور. و عدنا فى محكم تنزيله ( انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)
الله اسال ان يجعل مرضك كفارة بها يحسن لقاءك و يكرم نزلك فى الغرف ألسنيه وان يجمعك مع حبيبك عند الحوض انه عفو كريم مجيب.
التعازي لأهله في الجديد والعيلفون وعلى امتداد المهاجر، ولأحبابه وزملائه وأصدقائه الذين شق عليهم الخبر الحزين وقد تفرقت بهم الاسباب فى مختلف الامصار و الاقطار و لم تزل الى كتابة هذا المقال تتوالى اتصالاتهم بكثير من الاسى و الالم و المواساة
انا لله وانا اليه راجعون



