Uncategorized
علاء الدين محمد أبكر يكتب : لمصلحة من تريد إيران تدمير اقتصاديات جيرانها؟

علاء الدين محمد أبكر يكتب : لمصلحة من تريد إيران تدمير اقتصاديات جيرانها؟
لم تعد الضربات الإيرانية الأخيرة مجرد تصعيد عسكري في إطار صراع إقليمي، بل تحولت إلى استهداف مباشر لشريان الحياة الاقتصادي لدول الخليج العربي. فعندما يُقصف مجمع رأس لفان للغاز في قطر، ويُغلق مضيق هرمز، ويُستهدف ميناء ينبع السعودي، وتطال التهديدات البنية التحتية للكويت والبحرين، فإن الرسالة واضحة: الهدف هو خنق الاقتصاد الخليجي وتعطيل قدرته على الإنتاج والتصدير والتنمية.
أدى استهداف مجمع رأس لفان الرئيسي للغاز إلى تعطيل نحو 17 في المئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً. وتشير التقديرات إلى أن شركة “قطر للطاقة” قد تتكبد خسائر تصل إلى 20 مليار دولار من إيراداتها السنوية، في وقت تعتمد فيه أسواق رئيسية مثل الصين على هذه الإمدادات.
وقد صرح الرئيس التنفيذي للشركة سعد الكعبي بأن حجم الأضرار “أعاد المنطقة إلى الوراء بما بين 10 و20 عاماً”، مع توقعات بأن تستغرق أعمال الإصلاح بين 3 إلى 5 سنوات. وهي مدة كافية لإعادة رسم خرائط الطاقة العالمية على حساب المنتجين الخليجيين.
يمثل مضيق هرمز الممر الذي تعبر عبره 20 في المئة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. ومع إغلاقه، وجدت دول الخليج نفسها محاصرة اقتصادياً.
اضطرت السعودية للاعتماد على خط الأنابيب شرق-غرب إلى ينبع، والإمارات على خط الفجيرة، لكن مجتمعة لا تنقلان سوى أقل من نصف الكميات التي تمر عبر المضيق. وتفاقمت الأزمة بعد ورود أنباء عن قصف ميناء ينبع نفسه، أي استهداف البديل الأخير للتصدير السعودي.
ووصف رئيس وكالة الطاقة الدولية الوضع بأنه “أكبر أزمة طاقة في التاريخ”. بينما حذر وزير المالية القطري من أن التداعيات الاقتصادية الكاملة لم تظهر بعد.
لم يقتصر الأمر على قطر والسعودية. فالتقارير تشير إلى محاولات استهداف البنية التحتية الحيوية في الكويت والبحرين، وهما دولتان تعتمدان بشكل شبه كامل على تصدير النفط والغاز عبر البحر. أي ضربة لمنشآت التحميل أو محطات الطاقة أو الموانئ فيهما تعني شللاً اقتصادياً فورياً.
هنا يبرز التناقض الأكبر في الخطاب الإيراني. فطهران تزعم أنها تقف في وجه “الولايات المتحدة المتغطرسة”، ولكنها في ذات الوقت تمارس ذات النهج ضد جيرانها بحجة وجود قواعد أمريكية على أراضيهم.
وهذا ليس مبرراً. فالولايات المتحدة تقصف إيران من البحر والجو وليس من البر وحده، والقوة الضاربة للجيش الأمريكي تتواجد أصلاً في المياه الدولية على الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي. أي أن استهداف دول الخليج لن يوقف القدرات الأمريكية، ولكنه سيدمر اقتصاد جيران إيران أولاً.
الاقتصاد الخليجي ليس معزولاً. فدول مثل الكويت وقطر والبحرين باتت تدرس جدياً إنشاء شبكات أنابيب جديدة كخطة بديلة، بحسب ما يرى بدر السيف، الأستاذ بجامعة الكويت وزميل “تشاتام هاوس”: “لا يمكنها الاعتماد على مسار واحد فقط لنقل النفط والغاز. اليوم إيران، وقد يكون هناك تهديد خارجي آخر في المستقبل”.
لكن كلفة هذه البدائل ضخمة، وتستنزف موارد كان من المفترض أن توجه للتنمية. فبرامج التنويع الاقتصادي في السعودية والإمارات، التي استثمرت فيها مئات المليارات في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والترفيه، ستواجه الآن ضغوطاً لإعادة توجيه الأموال نحو إعادة بناء البنية التحتية للطاقة وحمايتها.
كما أن الدعم الخليجي المعتاد لإعادة إعمار غزة ولبنان وسوريا سيتراجع حتماً، وفق ما يشير إليه المحللون: “قد لا تكون المبالغ الكبيرة من المساعدات والاستثمارات التي ربما يحتاج إليها بعض الناس في المنطقة متاحة”.
استهداف منشآت الطاقة والموانئ والممرات المائية لا يهدف فقط لإلحاق خسائر مباشرة، بل لإرسال إشارة للمستثمرين بأن المنطقة غير آمنة. وهذا وحده كفيل بدفع رؤوس الأموال للخروج، ورفع كلفة التأمين والنقل، وإعادة النظر في التزامات الخليج الاستثمارية بمئات المليارات في الولايات المتحدة والعالم.
تقول كارين يونغ من جامعة كولومبيا: “كان الهجوم صادماً، سواء لأسواق الطاقة العالمية أو لدول الخليج نفسها، التي باتت تشعر الآن بأنها عرضة للخطر”.
إن ما تقوم به إيران اليوم يتجاوز منطق الرد العسكري إلى منطق تدمير ممنهج لاقتصاديات الجيران. فتعطيل الغاز القطري، وإغلاق هرمز، وقصف البدائل السعودية، واستهداف بنى الكويت والبحرين، كلها حلقات في سلسلة واحدة هدفها إضعاف قدرة دول الخليج على الصمود والتنمية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لمصلحة من؟
هل لمصلحة إيران وشعبها أن تتحول المنطقة كلها إلى ساحة أزمات طاقة وتضخم وفقر؟ أم أن المستفيد الحقيقي هم أطراف أخرى تسعى لإفراغ الخليج من دوره الاقتصادي وإعادة ترتيب خريطة الطاقة لصالحها؟
حتى يتم التوصل إلى اتفاق دائم يضمن بقاء مضيق هرمز مفتوحاً وحماية المنشآت الحيوية، ستبقى دول الخليج أمام سيناريو “عدم استقرار ممتد”، وثمنه سيدفعه ليس الخليج وحده، بل الاقتصاد العالمي كله.
علاء الدين محمد ابكر alaam9770@gmail.com



