Uncategorized
علاء الدين محمد ابكر يكتب : الاتحاد الجديد: شمال وجنوب السودان… وطن واحد بأسس جديدة

علاء الدين محمد ابكر يكتب : الاتحاد الجديد: شمال وجنوب السودان… وطن واحد بأسس جديدة
عندما انقسم السودان في 2011، لم ينقسم تراب فقط، بل انقسم قلب. 50 عاماً من الحرب لم تمحُ روابط الدم والنيل والتجارة والتاريخ المشترك بين الشمال والجنوب. واليوم وبعد 15 سنة من الانفصال، يقف الشعبان أمام سؤال مصيري: هل نستمر فرقاء نتقاسم الفقر والهشاشة، أم نعود شركاء نبني مستقبلاً على أسس جديدة؟
الاتحاد هذه المرة لا يعني العودة للوراء. بل يعني “اتحاداً طوعياً جديداً” مبني على الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة. اتحاد الكرامة، لا التبعية.
يمكن أن يقوم هذا الاتحاد على أسس جديدة تضمن للجميع الحقوق والواجبات. نظام حكم كنفدرالي رئاسي ديمقراطي، تكون فيه حكومتان منتخبتان في الشمال والجنوب، مع حكومة اتحادية منتخبة ديمقراطياً. الرئيس الاتحادي يمثل البلدين في السياسة الخارجية والدفاع والعملة، وكل إقليم يحتفظ ببرلمانه وقوانينه المحلية. كما يمكن الاتفاق على إنشاء عاصمة اتحادية جديدة في منطقة حدودية بين البلدين – مثل الرنك أو أبيي بعد ترتيب وضعها. عاصمة للجميع، لا تنتمي لشمال أو جنوب، وترمز للشراكة الجديدة.
الاتحاد كذلك فيه حل نهائي للمشاكل الحدودية العالقة. فبمجرد قيام الدولة الاتحادية تنتهي قضايا أبيي وكافي كنجي والمناطق المتنازع عليها، لتصبح “أقاليم اتحادية مشتركة” تدار من العاصمة الاتحادية وتستفيد من عائداتها بالتساوي. لا حدود عسكرية ولا نقاط تفتيش ولا نزاعات مستقبلية.
ومن الأسس المهمة المواطنة المتساوية، فلا تمييز على أساس العرق أو الدين أو اللغة. الجنوبي في الخرطوم كالشمالي في جوبا. مع تقاسم عادل للموارد، 50% من عائدات النفط والذهب والمعادن للمنطقة المنتجة، و50% للخزينة الاتحادية. كما يجب ضمان الحريات الدينية والثقافية، فالشمال يطبق ما يراه، والجنوب يطبق ما يراه، والدستور الاتحادي يحمي الجميع. ولا بد من لجنة حقيقة ومصالحة تعالج جراح الحرب، وتغلق ملف الماضي.
وفي الجانب الرياضي يمكن لجنوب السودان الاحتفاظ بعضويته المستقلة في المحافل الرياضية الدولية – الفيفا، الأولمبياد، كرة السلة. كما تحتفظ دول كثيرة بهويتها الرياضية داخل اتحادات سياسية، فالرياضة جسر تواصل لا أداة سياسة.
أما على الصعيد الاقتصادي فإن الاتحاد يخلق أقوى اقتصاد في شرق إفريقيا. الجنوب يملك 75% من احتياطي النفط القديم، والشمال يملك الموانئ وخطوط الأنابيب. اليوم الجنوب يدفع مليارات لكينيا وأوغندا للتصدير. بالاتحاد، نوقف نزيف العملة الصعبة، وتعود مليارات الدولارات لخزينة واحدة. ويمكننا استهداف إنتاج مليون برميل يومياً خلال 3 سنوات.
شمال السودان سلة غذاء، وجنوب السودان أرض خصبة وأمطار دائمة. معاً نصبح أكبر مصدر للغذاء في إفريقيا والشرق الأوسط. نوقف استيراد القمح والسكر والذرة ونصدر الفائض. ومع سوق موحد يضم 55 مليون نسمة، وعملة واحدة قوية، وبنوك موحدة، سيأتي المستثمر الأجنبي لسوق كبير مستقر فيه نفط وزراعة ومعادن ومياه.
الاتحاد كذلك يعني طريقاً واحداً من جوبا إلى بورتسودان يفتح التجارة، وسكة حديد وكهرباء واتصالات موحدة تخفض التكلفة على الجميع. والعاصمة الجديدة على الحدود ستكون مركزاً تجارياً ولوجستياً ضخماً يربط شرق ووسط إفريقيا، مما يعني وداعاً للاعتماد على المعونات والاعتماد على النفس.
اجتماعياً، الاتحاد ينهي معاناة أكثر من 2 مليون جنوبي في الشمال، ومئات الآلاف من الشماليين في الجنوب. يعودون مواطنين لا لاجئين، بحقوق كاملة. كما أن التعليم والصحة سيستفيدان من تكامل جامعات الخرطوم مع موارد الجنوب، ومستشفيات الشمال مع أطباء الجنوب، مع تبادل الطلاب والبعثات. وأمنياً سيكون هناك جيش واحد يحمي الحدود من الإرهاب والتمرد والتدخلات الخارجية، فلا مزيد من دعم طرف ضد الآخر.
ثقافياً، نحن لسنا مختلفين كما يظن البعض. نحن وجهان لعملة واحدة. النيل من الرنك إلى حلفا هو الرابط الذي يسقينا ويجمعنا. موسيقى الجنوب، وشعر الشمال، ولهجات دارفور وكردفان، ورقص الاستوائية، كل هذا التنوع لو أحسنا إدارته سيكون هويتنا التي نصدرها للعالم. وتاريخنا من مملكة كوش إلى المهدية إلى الاستقلال لا يمكن تقسيمه، ويجب أن يتعلم أطفالنا أنهم أبناء وطن واحد عظيم.
الانفصال لم يحل مشاكل الجنوب، ولم يحل مشاكل الشمال. زاد الفقر في جوبا، وزاد التضخم في الخرطوم. بينما العالم يتكتل في تكتلات كبرى، نحن نتقزم.
الاتحاد الجديد ليس حباً في الماضي، بل ضرورة للمستقبل. مستقبل لا مكان فيه للدول الصغيرة الضعيفة. بنظام كنفدرالي ديمقراطي، وعاصمة حدودية للجميع، وحل جذري للمشاكل الحدودية، واقتصاد قوي موحد، نثبت للعالم أن الوحدة لا تعني الذوبان، بل تعني القوة مع الاحترام.
لن نعود دولة واحدة بالقوة، بل بإرادة شعبين قالوا “كفاية حرب، نريد حياة”. النيل الذي فرقنا حدودياً، قادر أن يجمعنا إنسانياً.
والله الموفق.
علاء الدين محمد ابكر alaam9770@gmail.com



