Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني حوار السودان.. طاولة النجاة أم فخّ السياسة؟

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

حوار السودان.. طاولة النجاة أم فخّ السياسة؟

جاءت المبادرة السودانية لتهيئة الحوار السوداني السوداني في توقيت شديد الحساسية، حاملةً سؤالاً أكبر من مجرد الدعوة إلى الحوار: هل يستطيع السودانيون هذه المرة أن يصنعوا طاولة تجمعهم، أم أن خلافاتهم ستجعل كل طاولة مشروعاً جديداً للصراع؟
المبادرة، التي تضم تسع عشرة شخصية برئاسة البروفيسور قاسم بدري، لا تقدم نفسها باعتبارها منصة تفاوض بين الأطراف العسكرية، ولا باعتبارها مؤتمراً سياسياً جاهزاً بمخرجات محددة، وإنما كجسم يعمل على تهيئة المناخ، والاستماع إلى القوى المختلفة، وبناء الحد الأدنى من الثقة، ثم الاتفاق على شكل الحوار وأجندته وضماناته

هنا تكمن نقطة قوتها الأولى؛ فهي لم تبدأ من النهاية، لم تقل للسودانيين ماذا سيتفقون عليه، وإنما تحاول أولاً أن تجعلهم قادرين على الجلوس إلى طاولة واحدة
وتضم اللجنة أسماء ذات حضور أكاديمي وإعلامي وقانوني وفكري، بينها قاسم بدري، عثمان ميرغني، عبدالله آدم خاطر، محمد جلال هاشم، الواثق كمير، نبيل أديب، عبدالعزيز بركة ساكن، شريف حرير وآخرون

هذا التنوع يمكن أن يمنح المبادرة مساحة وسطى تفتقدها كثير من المبادرات السياسية السابقة
لكن السياسة السودانية لا تمنح أحداً صكوك البراءة لمجرد أنه رفع شعار الحوار!
فالسؤال الأكثر إلحاحاً ليس: من هم أعضاء اللجنة؟ وإنما: من سيجلس معهم؟
فإذا حضرت الشخصيات الأكاديمية والمثقفون والإعلاميون، وغابت القوى السياسية المؤثرة وأصحاب القرار العسكري، فإننا سنكون أمام حوار جميل في أوراقه، فقير في تأثيره، والحوار الذي لا يصل إلى القوى التي تستطيع التأثير في الواقع لن يكون أكثر من ندوة سياسية كبيرة

هنا تكمن نقطة الضعف الأخطر.
فبعض القوى السياسية تنظر بعين الريبة إلى أي مبادرة تجري في ظل الحكومة الحالية، وتخشى أن تتحول إلى طريق لمنح شرعية سياسية لطرف دون آخر، وفي المقابل، فإن استبعاد أي مكون سياسي مؤثر سيجعل الحديث عن حوار شامل مجرد شعار

أما إعلان الدولة استعدادها لتوفير الضمانات، مع التأكيد على عدم فرض المشاركين أو الأجندة أو المخرجات، فهو خطوة إيجابية، لكنه في النهاية يحتاج إلى اختبار عملي، فالاستقلالية لا تثبت بالبيانات، وإنما عندما تستطيع اللجنة أن تقول للحكومة: هنا نتفق معكم، وهنا نختلف، وأن تفتح الباب في الوقت ذاته لخصومها قبل حلفائها

ثم هناك السؤال الأكبر: أين تقف مليشيا الدعم السريع من هذا المسار؟
إن الحوار السياسي السوداني لا يمكن أن يعيش في جزيرة معزولة عن الحرب، صحيح أن تهيئة البيئة السياسية مهمة، لكن الطريق إلى السلام يحتاج في نهاية المطاف إلى مسار يتعامل مع الواقع العسكري أيضاً، ولذلك فإن نجاح المبادرة في جمع السياسيين والمجتمع المدني لن يكون نهاية الطريق، بل بدايته.
والسودان لا يعاني من ندرة الحوارات، بل من وفرة الحوارات وقلة النتائج. فقد شهدنا من قبل موائد كثيرة، وبيانات أكثر، ومؤتمرات تنتهي غالباً إلى توصيات جميلة تنام في الأدراج

لذلك فإن المبادرة الجديدة مطالبة منذ يومها الأول بأن تجيب عن سؤال السودانيين البسيط والصعب: ما الذي يجعل هذا الحوار مختلفاً عن الحوارات السابقة؟
في تقديري، فرص نجاح المبادرة موجودة، لكنها ليست مضمونة. قوة شخصياتها وتنوعها، وكونها سودانية المنشأ، ومحاولتها البدء من التهيئة لا من فرض الحلول، كلها عوامل تمنحها فرصة حقيقية، لكن غياب القوى المؤثرة، أو اتهامها بالانحياز، أو تحولها إلى منصة للنخب وحدها، يمكن أن يقتلها قبل أن تضع قدميها على الطريق

المبادرة الآن لا تخوض معركة الاتفاق على مستقبل السودان، وإنما تخوض معركة أصعب: إقناع السودانيين بأن الطاولة ليست فخاً
فإن نجحت في ذلك، ربما تكون قد وضعت أول حجر في طريق طويل نحو التسوية.
وإن فشلت، فلن يكون مصيرها مختلفاً عن كثير من المبادرات التي سبقتها: أسماء كبيرة، بيانات رنانة، مؤتمرات مضاءة جيداً، ثم يعود السودان إلى ظلام خلافاته
اني من منصتي انظر … حيث اري … إنها فرصة لا ينبغي قتلها بالتخوين، ولا ينبغي أيضاً منحها شيكاً على بياض، فالطريق إلى الحوار يحتاج شجاعة الذين يريدون السلام، وصدق الذين يريدون الحوار، واستقلال الذين يمسكون بالقلم… وإلا تحولت الطاولة من مائدة للنجاة إلى فخ جديد للسياسة.

مقالات ذات صلة

إغلاق