Uncategorized
كيف تؤثر المشاكل والصراعات الأسرية والفقر المدقع على الإبداع وتقتله في مهده بقلم: علاء الدين محمد أبكر

كيف تؤثر المشاكل والصراعات الأسرية والفقر المدقع على الإبداع وتقتله في مهده
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
البيت ليس مجرد سقف وجدران. البيت هو التربة الأولى التي تُزرع فيها بذور العقل. فإن كانت التربة خصبة وهادئة نبت الإبداع، وإن كانت مليئة بالأشواك والصراعات والجوع، ذبلت البذرة قبل أن ترى النور.
كثيرون يتحدثون عن الإبداع كأنه موهبة تولد مع الإنسان، أو ومضة عبقرية تنزل من السماء. والحقيقة أن الإبداع صناعة يومية. يصنعه الأمان والشبع، ويقتله الخوف والخصام والجوع معاً. والمشاكل والصراعات الأسرية والفقر المدقع يفعلون بالضبط ذلك: يقتلون الإبداع في مهده، وببطء، وبأدوات ناعمة لا ننتبه لها.
الإبداع يحتاج إلى “فراغ ذهني”. يحتاج إلى عقل هادئ يسأل: ماذا لو؟ لماذا لا نجرب؟ أما الطفل أو الشاب الذي يعيش في بيت دائم الصراخ والاتهامات، فعقله يعمل كرادار إنذار مبكر. يراقب نبرة صوت الأب، ويحسب مزاج الأم، ويتوقع متى ستنفجر المعركة القادمة. وهذا العقل نفسه إذا كان خاوياً من الجوع، لا يستطيع أن يحلم. الجوع لا يفكر في قصيدة، ولا يرسم لوحة، ولا يخترع جهازاً. الجوع يفكر في رغيف. وحين يتحول البيت من ملاذ إلى ساحة حرب، وحين تتحول المائدة إلى هم يومي، يتحول الإنسان من مبدع محتمل إلى جندي دفاع عن نفسه وعن لقمة العيش. والجندي لا يبتكر، الجندي ينجو.
وجوهر الإبداع هو التجربة والفشل ثم التجربة مرة أخرى. لكن في أجواء الصراعات الأسرية الخطأ جريمة. والفقر يزيد الطين بلة. ففي بيت لا يملك ثمن التجربة الثانية، يصبح الفشل ترفاً لا يُحتمل. الشاب الذي يقترح مشروعاً جديداً يسمع: “امش شوف شغلك، الكلام الفارغ ده ما بأكل عيش”. ومع التكرار يتعلم العقل درساً قاسياً: الأمان في التقليد، والسلامة في الصمت. فيكبر شخص يخاف من كلمة “جرب”. يخاف من الفشل لأنه ربطه في ذهنه بالإهانة والصراخ والجوع والحرمان. وهكذا يموت الإبداع وهو لا يزال فكرة صغيرة ترتجف في المهد.
كل مبدع كبير بدأ بكلمة تشجيع. وكل مبدع متوقف بدأ بجملة كسر. وفي بيوت المشاكل والصراعات والفقر يكثر: “انت ما نافع”، “شوف ود فلانة”، “من وين ليك المخ ده، نحن ناس أكل وشراب بس”. هذه الجمل لا تذهب مع الريح. تستقر في اللاوعي وتصبح صوتاً داخلياً يرافق الإنسان طوال عمره. قبل أن يكتب سطراً يقول له: “سيئ”. قبل أن يعرض فكرته يقول له: “منو حيشتري منك؟” فيقتل الفكرة بيده قبل أن يولدها. الإبداع يحتاج إلى ثقة، والمشاكل الأسرية والفقر هما مصنع انعدام الثقة الأول.
البيت المستقر يعلّم درساً عظيماً: كل مشكلة لها حل بالحوار والتفاهم. أما البيت الذي تعصف به الصراعات والفقر فيعلّم درساً معاكساً: المشاكل تُحل بالصوت العالي، أو بالقطيعة، أو بالاستسلام. فيكبر الابن وهو لا يملك عضلة “حل المشكلات”. وعندما يواجه أول عقبة في مشروعه أو في عمله يستسلم فوراً. يقول في داخله: “ما في فايدة، أصلا نحن مفلسين ومتشاكلين”. لأنه ببساطة لم يرَ في بيته نموذجاً لتحويل الأزمة إلى فرصة. والإبداع هو في الأصل تحويل المشكلة إلى فكرة.
والفقر لا يسرق المال فقط، بل يسرق المستقبل. الطفل الجائع لا يطلب ألواناً ليرسم، بل يطلب خبزاً. والشاب الذي يسهر يفكر في إيجار الغرفة لا يستطيع أن يسهر يفكر في خوارزمية جديدة. الفقر المدقع يفرض على العقل “وضع الطوارئ” الدائم. والعقل في وضع الطوارئ لا يبدع، بل يكرر ما يضمن البقاء. كم من مخترع مات في مهده لأن أهله قالوا له: “خلي الأحلام، شوف شغلة تلم قروش”. وكم من كاتب دفن قلمه لأن المجتمع علمه أن “الكتابة ما بتأكل عيش”. الجوع مشكلة، والفقر جدار عالٍ يضرب فيه الإبداع رأسه حتى ينزف ثم يموت.
والخطر الأكبر ليس في الفرد فقط. الخطر أننا ننتج جيلاً كاملاً يرى أن الحلم ترف، وأن التعبير عن الرأي خطر، وأن الاختلاف فتنة. جيل يختار الوظيفة الآمنة على المشروع الذي يؤمن به. يختار الكتابة في الدفتر المغلق على النشر. يختار أن يكون “عادياً” حتى لا يُؤذى ولا يجوع. ومجتمع كهذا قد يكون مستقراً ظاهرياً، لكنه فقير إبداعياً. لا مصانع أفكار، ولا شركات ناشئة، ولا أدباء ولا علماء.
لا نستطيع أن نطالب مدارسنا وجامعاتنا بإنتاج مبدعين، بينما نحن في البيوت نقتل المبدع الأول في الطفل: فضوله، ونقتله ثانية في الشارع: بصراعاتنا وجوعه. الإبداع لا يحتاج إلى عبقرية خارقة بقدر ما يحتاج إلى حضن آمن يقول: “أخطئ كما تشاء، أنا معك”. ويحتاج إلى مائدة فيها ما يسد الرمق حتى يفكر العقل فيما هو أبعد من البطن.
حين نوقف الصراعات داخل بيوتنا، وحين نحارب الفقر الذي يكسر الظهر، نكون قدمنا لأوطاننا أعظم استثمار. لأن الفكرة التي تولد في بيت هادئ وشبعان اليوم، قد تصبح شركة توظف مئات، أو كتاباً يغير وعي أمة، أو اختراعاً يحل أزمة غداً. أما المشاكل والصراعات الأسرية والفقر المدقع؟ فهما الرصاصتان الأوليان اللتان تُطلقان على هذه الفكرة… قبل أن تتنفس.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com
البيت ليس مجرد سقف وجدران. البيت هو التربة الأولى التي تُزرع فيها بذور العقل. فإن كانت التربة خصبة وهادئة نبت الإبداع، وإن كانت مليئة بالأشواك والصراعات والجوع، ذبلت البذرة قبل أن ترى النور.
كثيرون يتحدثون عن الإبداع كأنه موهبة تولد مع الإنسان، أو ومضة عبقرية تنزل من السماء. والحقيقة أن الإبداع صناعة يومية. يصنعه الأمان والشبع، ويقتله الخوف والخصام والجوع معاً. والمشاكل والصراعات الأسرية والفقر المدقع يفعلون بالضبط ذلك: يقتلون الإبداع في مهده، وببطء، وبأدوات ناعمة لا ننتبه لها.
الإبداع يحتاج إلى “فراغ ذهني”. يحتاج إلى عقل هادئ يسأل: ماذا لو؟ لماذا لا نجرب؟ أما الطفل أو الشاب الذي يعيش في بيت دائم الصراخ والاتهامات، فعقله يعمل كرادار إنذار مبكر. يراقب نبرة صوت الأب، ويحسب مزاج الأم، ويتوقع متى ستنفجر المعركة القادمة. وهذا العقل نفسه إذا كان خاوياً من الجوع، لا يستطيع أن يحلم. الجوع لا يفكر في قصيدة، ولا يرسم لوحة، ولا يخترع جهازاً. الجوع يفكر في رغيف. وحين يتحول البيت من ملاذ إلى ساحة حرب، وحين تتحول المائدة إلى هم يومي، يتحول الإنسان من مبدع محتمل إلى جندي دفاع عن نفسه وعن لقمة العيش. والجندي لا يبتكر، الجندي ينجو.
وجوهر الإبداع هو التجربة والفشل ثم التجربة مرة أخرى. لكن في أجواء الصراعات الأسرية الخطأ جريمة. والفقر يزيد الطين بلة. ففي بيت لا يملك ثمن التجربة الثانية، يصبح الفشل ترفاً لا يُحتمل. الشاب الذي يقترح مشروعاً جديداً يسمع: “امش شوف شغلك، الكلام الفارغ ده ما بأكل عيش”. ومع التكرار يتعلم العقل درساً قاسياً: الأمان في التقليد، والسلامة في الصمت. فيكبر شخص يخاف من كلمة “جرب”. يخاف من الفشل لأنه ربطه في ذهنه بالإهانة والصراخ والجوع والحرمان. وهكذا يموت الإبداع وهو لا يزال فكرة صغيرة ترتجف في المهد.
كل مبدع كبير بدأ بكلمة تشجيع. وكل مبدع متوقف بدأ بجملة كسر. وفي بيوت المشاكل والصراعات والفقر يكثر: “انت ما نافع”، “شوف ود فلانة”، “من وين ليك المخ ده، نحن ناس أكل وشراب بس”. هذه الجمل لا تذهب مع الريح. تستقر في اللاوعي وتصبح صوتاً داخلياً يرافق الإنسان طوال عمره. قبل أن يكتب سطراً يقول له: “سيئ”. قبل أن يعرض فكرته يقول له: “منو حيشتري منك؟” فيقتل الفكرة بيده قبل أن يولدها. الإبداع يحتاج إلى ثقة، والمشاكل الأسرية والفقر هما مصنع انعدام الثقة الأول.
البيت المستقر يعلّم درساً عظيماً: كل مشكلة لها حل بالحوار والتفاهم. أما البيت الذي تعصف به الصراعات والفقر فيعلّم درساً معاكساً: المشاكل تُحل بالصوت العالي، أو بالقطيعة، أو بالاستسلام. فيكبر الابن وهو لا يملك عضلة “حل المشكلات”. وعندما يواجه أول عقبة في مشروعه أو في عمله يستسلم فوراً. يقول في داخله: “ما في فايدة، أصلا نحن مفلسين ومتشاكلين”. لأنه ببساطة لم يرَ في بيته نموذجاً لتحويل الأزمة إلى فرصة. والإبداع هو في الأصل تحويل المشكلة إلى فكرة.
والفقر لا يسرق المال فقط، بل يسرق المستقبل. الطفل الجائع لا يطلب ألواناً ليرسم، بل يطلب خبزاً. والشاب الذي يسهر يفكر في إيجار الغرفة لا يستطيع أن يسهر يفكر في خوارزمية جديدة. الفقر المدقع يفرض على العقل “وضع الطوارئ” الدائم. والعقل في وضع الطوارئ لا يبدع، بل يكرر ما يضمن البقاء. كم من مخترع مات في مهده لأن أهله قالوا له: “خلي الأحلام، شوف شغلة تلم قروش”. وكم من كاتب دفن قلمه لأن المجتمع علمه أن “الكتابة ما بتأكل عيش”. الجوع مشكلة، والفقر جدار عالٍ يضرب فيه الإبداع رأسه حتى ينزف ثم يموت.
والخطر الأكبر ليس في الفرد فقط. الخطر أننا ننتج جيلاً كاملاً يرى أن الحلم ترف، وأن التعبير عن الرأي خطر، وأن الاختلاف فتنة. جيل يختار الوظيفة الآمنة على المشروع الذي يؤمن به. يختار الكتابة في الدفتر المغلق على النشر. يختار أن يكون “عادياً” حتى لا يُؤذى ولا يجوع. ومجتمع كهذا قد يكون مستقراً ظاهرياً، لكنه فقير إبداعياً. لا مصانع أفكار، ولا شركات ناشئة، ولا أدباء ولا علماء.
لا نستطيع أن نطالب مدارسنا وجامعاتنا بإنتاج مبدعين، بينما نحن في البيوت نقتل المبدع الأول في الطفل: فضوله، ونقتله ثانية في الشارع: بصراعاتنا وجوعه. الإبداع لا يحتاج إلى عبقرية خارقة بقدر ما يحتاج إلى حضن آمن يقول: “أخطئ كما تشاء، أنا معك”. ويحتاج إلى مائدة فيها ما يسد الرمق حتى يفكر العقل فيما هو أبعد من البطن.
حين نوقف الصراعات داخل بيوتنا، وحين نحارب الفقر الذي يكسر الظهر، نكون قدمنا لأوطاننا أعظم استثمار. لأن الفكرة التي تولد في بيت هادئ وشبعان اليوم، قد تصبح شركة توظف مئات، أو كتاباً يغير وعي أمة، أو اختراعاً يحل أزمة غداً. أما المشاكل والصراعات الأسرية والفقر المدقع؟ فهما الرصاصتان الأوليان اللتان تُطلقان على هذه الفكرة… قبل أن تتنفس.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



