Uncategorized
رجعنا لوطن القماري… وذاكرة الأيادي الحانية بقلم :امين محمد الجاك عامر -المحامي

رجعنا لوطن القماري… وذاكرة الأيادي الحانية
بقلم :امين محمد الجاك عامر -المحامي
بعد رحلة غياب طويلة فرضتها علينا الحرب، ونحن في خريف العمر، ابتعدنا عن الوطن والأهل والأحباب في مدينة مدني. بدأت الرحلة بالنزوح داخل الوطن، ثم انتهت بالخروج منه إلى خارجه، ففرّقت بين أفراد الأسرة الواحدة، وفرضت علينا ظروفًا لم نخترها، تباينت معها مصالحنا واختلفت طرقنا في مواجهة قسوة الواقع.
واليوم، بعد سنوات من الغياب، قررت العودة إلى وطني؛ إلى وطن القماري، كما قال الشاعر الأستاذ عبدالباسط سبتدرات، المحامي، في الأغنية التي تغنّت بها البلابل:
«رجعنا ليك
وكيف نرفض رجوع القمرا
لوطن القماري»
أعود وفي القلب شوق لا توصفه الكلمات، وفي الذاكرة سنوات من الألم والغياب، لكنها تحمل أيضًا وجوهًا كريمة وأيادي حانية امتدت إلينا في أصعب الأوقات، من داخل البلاد وخارجها.
فخلال سنوات النزوح، ومع توقفنا عن العمل، وجدنا من احتوانا وخفف عنا قسوة الغربة ومشقة الطريق. أناس قدموا لنا ما أعاننا على تجاوز أيام عصيبة، بسماحة وطيب خاطر، ودون انتظار مقابل. وكانت مواقفهم تجسيدًا ناصعًا لأصالة السودانيين وكرمهم وسماحتهم التي نعتز بها.
وأنا مقبل على العودة، أرى أن أقل ما نقدمه لهؤلاء هو الدعاء قبل الشكر: أن يتقبل الله ما قدموه، ويجعله في ميزان حسناتهم، ويحفظهم، ويبارك لهم في أهلهم وحياتهم وأرزاقهم.
هم كُثر، ومن الصعب أن أذكر أسماءهم جميعًا، كما أن ذكر بعضهم دون بعض قد يكون تقصيرًا في حق من كان لهم فضل علينا. لذلك آثرت أن أشملهم جميعًا بهذه الكلمات، اعترافًا بجميلهم، وحفظًا لفضلهم، وتقديرًا لمواقفهم النبيلة.
لقد طال الغياب، وطالت الرحلة، وكانوا خلالها يخففون عنا وطأة النزوح، ويرممون شيئًا من أيامنا، ويمنحوننا، في أحلك الظروف، أسبابًا جديدة للأمل.
لكل من امتدت يده إلينا، أو احتوانا، أو أطعمنا، أو واسانا بكلمة، أو وقف معنا في وقت الشدة:
جزاكم الله عنا خير الجزاء، وكتب لكم أجر ما صنعتم، وحفظكم، وردّ إليكم جميلكم أضعافًا مضاعفة.
واليوم، ونحن نعود إلى وطن القماري، لا نعود وحدنا؛ نعود محمّلين بسنوات من الذكريات، وبقلوب تحفظ لكل من ساندنا جميله. نعود وقد أدركنا أن الوطن ليس أرضًا نشتاق إليها فحسب، بل هو أيضًا أهل وقلوب ووجوه طيبة كانت لنا وطنًا حين ابتعدنا عن الوطن.
فلكم، جميعًا، من القلب: شكرًا لأنكم كنتم معنا حين كان الوطن بعيدًا، والأيام ثقيلة، والطريق طويلًا. سيبقى فضلكم معنا، وستظل مواقفكم جزءًا من حكاية عودتنا، وذكرى جميلة لا يطويها الغياب ولا تنال منها السنوات.
واليوم، ونحن نقول: «رجعنا ليك»، نحمل في قلوبنا دعاءً لكم، وامتنانًا لا تنتهي كلماته، وأملًا بأن يجمعنا الوطن من جديد على أيام أكثر أمنًا وطمأنينة، وأن يعوّض الجميع عن كل ما فقدوه في سنوات الحرب والغياب.



