Uncategorized

عبد الكريم ابراهيم يكتب : طلاب الشهادة السودانية..التحديات وعدالة الفرص

عبد الكريم ابراهيم يكتب :
طلاب الشهادة السودانية..التحديات وعدالة الفرص..

ليس من السهل التعامل مع امتحانات الشهادة السودانية باعتبارها إجراءً أكاديمياً عادياً ، فهي محطة فاصلة في حياة آلاف الطلاب والأسر ، وترتبط بها مسارات التعليم الجامعي والمهني ، وما يترتب على ذلك من مستقبل أجيال كاملة ، ولهذا فإن أي قرار يتعلق بفتح باب الجلوس للامتحان أو تحديد الفئات المستهدفة به ينبغي ألا يراعي النصوص والإجراءات وحدها ، وإنما ينظر أيضاً إلى الظروف الواقعية التي عاشها الطلاب وأسرهم ، وإلى الأوضاع التي عملت فيها المدارس والمعلمون خلال سنوات الحرب .
ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر مع اقتراب امتحانات الشهادة الثانوية المقرر لها أبريل 2027م ، وفي ظل التحولات التي شهدها النظام التعليمي خلال السنوات الأخيرة ، وفي مقدمتها الانتقال إلى منهج دراسي جديد ، وما صاحبه من تفاوت واضح في وصول الكتب والمقررات إلى المدارس ، فضلاً عن اختلاف الظروف التعليمية بين الولايات والمناطق المتأثرة بالحرب وتلك التي استطاعت المحافظة على قدر أكبر من الاستقرار .
ويكشف الخطاب الصادر عن الإدارة العامة للقياس والتقويم والامتحانات بوزارة التربية والتعليم بتاريخ 17 سبتمبر 2026م ، بشأن امتحانات الشهادة الثانوية أبريل 2027م ، عن توجيه للجهات المختصة بالولايات لاستكمال سجلات الطلاب الذين جلسوا لامتحانات الشهادة المتوسطة للعام 2024م ، وكذلك التعامل مع الطلاب الحاصلين على شهادة المرحلة المتوسطة للعام 2024م وما يعادلها ، وحملة شهادة مرحلة الأساس للعام 2026م ، مع إرسال صورة من المؤهل إلى الإدارة العامة للقياس والتقويم والامتحانات .
ومن حيث الشكل الإداري ، يبدو الخطاب واضحاً في تحديد المطلوب من الجهات التعليمية ، لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الإجراءات وحدها ، وإنما في السياق الذي يُراد أن تُطبق فيه هذه الإجراءات .
فالسودان يعيش ظروفاً استثنائية خلّفت آثاراً عميقة على العملية التعليمية ، مدارس أُغلقت أو انتقلت إلى مناطق أخرى ، وأسر نزحت من أماكن إقامتها ، وطلاب انقطعوا عن الدراسة لفترات متفاوتة ، ومعلمون وجدوا أنفسهم أمام ظروف لم تكن مألوفة في أي مرحلة سابقة ، وفي المقابل ، ظلت كثير من الأسر تتحمل تكاليف السكن والتنقل والإعاشة والتعليم في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة .
ويضاف إلى ذلك ملف المناهج ، وهو من أكثر الملفات التي تستحق التوقف عندها .
فقد انتقلت وزارة التربية والتعليم إلى منهج جديد لمراحل التعليم الثانوي ، يشمل الصف الأول والثاني والثالث الثانوي ، وأصبحت الدفعات الجديدة مطالبة بالتعامل مع هذا المنهج وفق الترتيبات التي وضعتها الوزارة ، في وقت لم تكن فيه عملية وصول الكتب والمقررات إلى المدارس قد اكتملت بصورة متساوية .
وتبدو المشكلة أكثر وضوحاً بالنسبة إلى الصفين الثاني والثالث الثانوي ، إذ إن المناهج الجديدة ، وفق إفادات وملاحظات ميدانية من المدارس والأسر ، لم تصل إلى جميع المدارس حتى الآن بالصورة المطلوبة ، رغم أن الوزارة كانت قد ألزمت المدارس منذ العام الماضي بالتعامل مع المنهج الجديد ، في إطار الترتيب لامتحان الشهادة المتوقع أن يتم وفق المنهج الجديد في 2028م.
وهنا تظهر مفارقة تحتاج إلى معالجة جادة ، الوزارة تضع الإطار العام للمنهج وتصدر القرارات ، بينما تجد المدارس نفسها في موقع المنفذ لهذه القرارات ، حتى عندما لا تتوافر لديها الأدوات كاملة لتنفيذها .
فالمدرسة في نهاية الأمر «عبد مأمور»، عليها أن تنفذ ما يصدر إليها من توجيهات ، لكنها في الوقت نفسه مطالبة أمام الطلاب والأسر بتغطية الفاقد التعليمي ومعالجة النقص في الكتب والمقررات والوسائل ، ولذلك لجأت مدارس إلى محاولات مختلفة لتغطية المنهج ، كل بحسب إمكاناته وظروفه ، بينما وجدت الأسر نفسها تتحمل جانباً من هذا العبء ، سواء من خلال شراء الكتب والمذكرات ، أو توفير الدروس الإضافية ، أو تحمل تكاليف أخرى فرضتها الظروف.
وهكذا أصبحت الأسرة ، التي تعاني أصلاً من آثار الحرب والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة ، مطالبة أيضاً بالتعامل مع آثار الانتقال بين المناهج وتأخر وصولها .
وفي الصفين الأول والثاني الثانوي تحديداً ، عانت أسر كثيرة من هذه الإشكالية ، إذ وجدت نفسها أمام سؤال بسيط في ظاهره لكنه معقد في الواقع ، كيف يمكن للطالب أن يستوعب منهجاً جديداً بصورة عادلة إذا لم يكن المنهج متاحاً في المدرسة بالوقت نفسه الذي يفترض أن يبدأ فيه تدريسه؟
وتزداد حساسية هذه المسألة عندما يتم الحديث عن الامتحان القومي ، لأن الامتحان يفترض في الأصل وجود حد أدنى من التكافؤ في فرص التعلم والاستعداد .
وهنا يبرز السؤال الجوهري ، هل تكفي أهلية الطالب النظامية للجلوس للامتحان ، أم أن العدالة التعليمية تقتضي النظر أيضاً في الظروف التي مر بها للوصول إلى هذه المرحلة؟
فالطالب الذي درس بصورة منتظمة طوال العامين الماضيين ليس بالضرورة في الظروف التعليمية نفسها التي عاشها طالب نزح مع أسرته ، أو انقطع عن المدرسة ، أو تلقى تعليمه في مدرسة تعاني نقصاً في المعلمين والكتب ، أو درس منهجاً سابقاً بسبب عدم وصول المنهج الجديد ، أو وجد نفسه في مدرسة تحاول اجتهادياً سد الفجوة بين ما صدر من الوزارة وما وصل فعلياً إلى أرض الواقع .
وهذه ليست مسؤولية الطالب ولا الأسرة ولا المدرسة وحدها ،
فالمدارس لا تضع المناهج ، ولا تحدد مواعيد الامتحانات ، ولا تتحكم في عملية طباعة الكتب وتوزيعها ، وفي الوقت نفسه ، لا تستطيع الأسر أن تتحكم في الظروف الاقتصادية أو الجغرافية التي فرضتها الحرب ، لذلك فإن تحميل الطالب وحده نتيجة هذه الفجوات التعليمية يثير سؤالاً مشروعاً حول عدالة الفرص التي سبقت الامتحان .
إن الامتحان القومي لا يقيس قدرة الطالب وحدها، فهو يفترض وجود بيئة تعليمية تسمح للطلاب بتلقي المادة العلمية والاستعداد لها بصورة معقولة . وإذا اختلفت هذه الفرص اختلافاً كبيراً بسبب الحرب والنزوح واختلاف توفر المدارس والمعلمين والمناهج والكتب ، فإن الفارق بين النتائج قد لا يعكس دائماً الفارق الحقيقي في التحصيل العلمي .
ثم تأتي المسألة الاقتصادية .
فالأسر السودانية لم تعد تواجه تكاليف التعليم التقليدية وحدها ، بل أصبحت تتحمل آثار الحرب والنزوح وارتفاع الأسعار وتراجع الدخول وارتفاع تكاليف النقل والإقامة ، ومن ثم فإن أي ترتيبات للجلوس للامتحان ينبغي أن تنظر إلى التكلفة الكلية التي يتحملها الطالب وأسرته ، لا إلى رسوم الامتحان المباشرة فقط.
فالطالب النازح ، على سبيل المثال ، قد يحتاج إلى الانتقال إلى مدينة أخرى لأداء الامتحان ، وربما يحتاج إلى سكن وإعاشة ومواصلات ، وقد تضطر أسرته إلى تحمل هذه النفقات في وقت تعاني فيه أصلاً من ضغوط اقتصادية شديدة ، وهذه التفاصيل قد تبدو خارج إطار الامتحان ، لكنها في الواقع جزء من القدرة على الوصول إليه .
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية ، وهو أن امتحانات الشهادة الثانوية ليست غاية في ذاتها ، وإنما بوابة إلى التعليم الجامعي والمهني ، فالطالب الذي أمضى سنوات في ظروف استثنائية ، ثم يجلس لامتحان مصيري ، يحتاج إلى أن يشعر بأن النظام التعليمي ينظر إلى ظروفه بعين العدالة والواقعية ، لا أن يكتفي بقياس قدرته على اجتياز اختبار في موعد محدد .
ولا يعني ذلك إلغاء الامتحانات أو تعطيل المعايير القومية ، كما لا يعني خفض مستوى الامتحان أو التخلي عن مبدأ التقييم الموحد. وإنما يعني البحث عن أفضل السبل لتطبيق هذه المعايير في ظرف استثنائي ، بحيث لا تتحول الفوارق التي فرضتها الحرب إلى فوارق دائمة بين أبناء السودان .
ومن بين المخارج العملية التي يمكن أن تتيح للوزارة تطبيق القرار ، مع مراعاة الظروف الاستثنائية ، السماح للحالات الخاصة والاستثنائية بالجلوس للامتحان ، على ألا تتجاوز هذه الحالات نسبة 10% من العدد المعتمد لكل مدرسة للجلوس للامتحان ، وذلك بصورة مؤقتة إلى حين توفر ظروف الاستقرار في الولايات والمناطق المتأثرة بالحرب ، وتمكّن الأسر والمدارس من توفيق أوضاعها التعليمية ،
ويتيح مثل هذا الترتيب ، إذا رأت الوزارة مناسبته وضبطت معاييره بصورة واضحة ، هامشاً للتعامل مع الحالات التي فرضت عليها الحرب أوضاعاً استثنائية ، دون أن يعني ذلك فتح الباب بصورة عامة أو الإخلال بالضوابط القومية للامتحان ، كما يمنح الأسر والمدارس منفذاً عملياً للتعامل مع الحالات الخاصة ، ويخفف الضغوط التي قد تنشأ من تطبيق القرار بصورة جامدة في ظروف استثنائية لم تستقر بعد ، ويمكن أن تكون نسبة الـ10% سقفاً استثنائياً لكل مدرسة ، مع إخضاع الحالات للضوابط والمراجعة والاعتماد من الجهات التعليمية المختصة ، منعاً للتوسع أو إساءة استخدام الاستثناء.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى معلومات دقيقة قبل اتخاذ أو تنفيذ أي ترتيبات نهائية ،
كم عدد الطلاب المعنيين؟ كم عدد المدارس التي درست المنهج الجديد فعلياً؟ كم مدرسة اضطرت إلى تدريس المناهج السابقة؟ ما حجم الفجوة في وصول الكتب والمقررات؟ وما عدد الطلاب الذين انقطعوا عن الدراسة أو انتقلوا من ولاية إلى أخرى؟ وكيف ستتم معالجة الفوارق بين الولايات والمناطق المتأثرة بالحرب وتلك التي استمرت فيها العملية التعليمية بصورة أكثر انتظاماً؟ وما الترتيبات الخاصة بالطلاب الذين تلقوا تعليمهم في ظروف مختلفة عن زملائهم؟
والأهم من ذلك ، هل توجد صورة ميدانية دقيقة لدى الوزارة عن واقع المناهج في المدارس ، لا على مستوى القرارات والخطط فحسب ، وإنما على مستوى ما وصل بالفعل إلى الطالب داخل الفصل؟
هذه ليست أسئلة تعترض على الامتحان من حيث المبدأ ، وإنما أسئلة تتعلق بسلامة التطبيق وتكافؤ الفرص .
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً للحرب ، وكان التعليم من أكثر القطاعات تأثراً بها ، ومن بين هؤلاء الطلاب أسر ظلت تكافح لكيلا ينقطع أبناؤها عن التعليم ، ومعلمون واصلوا أداء رسالتهم في ظروف صعبة ، ومدارس حاولت الاستمرار بما توفر لديها من إمكانات ، وأسر تحملت نفقات إضافية لتوفير ما عجزت المدرسة أو النظام التعليمي عن توفيره.
ومن الإنصاف أن يُنظر إلى هذه الجهود جميعاً عند وضع أي ترتيبات تخص مستقبل الطلاب.
فالعدالة في امتحانات الشهادة السودانية لا تبدأ داخل قاعة الامتحان ، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير ، من الكتاب الذي يصل إلى المدرسة ، والمعلم الذي يجد ما يعينه على التدريس ، والطالب الذي يجد مكاناً مستقراً للتعلم ، والأسرة التي تستطيع تحمل تكاليف التعليم ، والمدرسة التي تملك القدرة على تنفيذ المنهج المطلوب .
ومن هنا فإن أي ترتيبات تخص امتحانات الشهادة الثانوية في أبريل 2027م تحتاج إلى أن تستند إلى مسح واقعي ودقيق لأوضاع الطلاب والمناهج والمدارس والولايات ، وأن تضع في الاعتبار الفوارق التي أفرزتها الحرب والانتقال بين المناهج ، حتى لا تتحول الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب إلى تفاوت دائم في فرص أبناء السودان .
إن القضية في جوهرها ليست تخص من يجلس للامتحان ومن لا يجلس؟ بل السؤال الأهم هو ، هل حصل كل من سيجلس للامتحان على فرصة تعليمية عادلة ومعقولة تؤهله لخوض الامتحان نفسه؟
فإذا كانت عدالة النتائج هي الهدف ، فإن الطريق إليها يبدأ من عدالة الفرص .
والطالب السوداني لا يحتاج إلى امتياز استثنائي ، وإنما يحتاج إلى فرصة عادلة ، فرصة في الكتاب ، وفي المدرسة ، وفي المعلم ، وفي الوقت ، وفي الاستعداد ، وفي القدرة على الوصول إلى قاعة الامتحان .
وهذه هي المسؤولية التي ينبغي أن تكون حاضرة في كل نقاش حول مستقبل امتحانات الشهادة السودانية ، أن نحافظ على قومية الامتحان ومعاييره ، وفي الوقت نفسه نضمن ألا يدفع الطالب ثمن ظروف لم يكن له يد في صنعها .
فعدالة الشهادة لا تُقاس بتوحيد ورقة الامتحان فقط ، وإنما بتقارب الفرص التي سبقت تلك الورقة .

مقالات ذات صلة

إغلاق