Uncategorized
رحم الله الدهابة شهداء لقمة العيش، بقلم / علاء الدين محمد أبكر

رحم الله الدهابة شهداء لقمة العيش،
بقلم / علاء الدين محمد أبكر
أيا كانت الجهة التي نفذت، وأيا كانت الذرائع التي ستساق لتبريرها، فلا يوجد على وجه الأرض مبرر واحد يمنح أي طرف حق قصف عمال التعدين الأهلي في منطقة شمال الوادي بتلك الطريقة الوحشية التي اهتز لها وجدان كل سوداني.
ما جرى ليس مجرد حادث عابر يمكن تجاوزه ببيان مقتضب أو صمت مريب. ما جرى مجزرة حقيقية بحق مواطنين عزل، خرجوا من بيوتهم لا يحملون إلا معاولهم وآمالهم في رزق حلال يقتاتون منه في ظل ظروف اقتصادية طاحنة تمر بها البلاد. هؤلاء الدهابة هم أبناء هذا الشعب، هم من أفقر الفقراء، من اختاروا العمل الشاق في قلب الصحراء، تحت لهيب الشمس، في مناطق نائية بلا ماء ولا خدمات، بحثا عن جرام من الذهب يستر به حاله ويطعم به أطفاله.
أي منطق يبيح استهدافهم؟ هل أصبح عامل المنجم هدفا مشروعا؟ وهل أصبحت أرواح البسطاء بهذا الرخص؟
إننا نتحدث عن جريمة مكتملة الأركان، جريمة ضد الإنسانية وضد أبسط قيم الحرب وقواعد الاشتباك، بل جريمة ضد الفطرة السليمة. فحتى في الحروب، هناك قوانين تحمي المدنيين، فما بالك بمناطق لا تشهد قتالا مباشرا، ومنشآت أهلية يعمل فيها مدنيون لا علاقة لهم بالصراع؟
العمال الذين سقطوا شهداء في هذا القصف الوحشي ليسوا أرقاما في كشف، لكل واحد منهم أم تنتظر عودته، وأب يترقب رزقه، وزوجة وأطفال ينتظرون ما يجود به من تعب. لهم أهل، لهم قبائل، لهم مجتمع، ومن حقهم جميعا أن يعرفوا الحقيقة.
من الذي أعطى الأمر؟ من الذي نفذ؟ ما نوع الطائرة أو المسيرة التي قصفت؟ وعلى أي معلومة بني هذا الاستهداف الخاطئ والقاتل؟ هل تم التحقق؟ هل هناك خلط متعمد بين المدنيين والعسكريين؟ كلها أسئلة مشروعة لا بد أن تجد إجابة.
إن ترك هذه الحادثة دون تحقيق واضح هو وصمة في جبين العدالة، ورسالة خطيرة بأن دم المواطن السوداني البسيط يمكن أن يذهب هدرا بلا ثمن.
وهنا نوجه حديثنا مباشرة للحكومة السودانية، بمجلسها السيادي وحكومتها وأجهزتها العدلية والعسكرية.فالكرة اليوم في ملعب الدولة، وليس في ملعب أحد غيرها. واجب الدولة الأول هو حماية مواطنيها، وواجبها الآن هو التحرك العاجل لفتح تحقيق شفاف، مستقل، ونزيه، تشارك فيه الأجهزة العدلية والنيابة العامة، وتعلن نتائجه للرأي العام بكل وضوح.
لا نريد لجنة تتشكل ثم تموت في الأدراج كما حدث في كثير من الجرائم السابقة. نريد تحقيقا حقيقيا يسمي الأشياء بمسمياتها، ويحدد المسؤولية الجنائية، ويقود لمحاسبة المتورطين مهما كانت جهاتهم.
إن صمت الدولة أو اكتفاءها ببيانات فضفاضة سيفتح الباب لمزيد من الانتهاكات في مناطق التعدين الأخرى التي يعمل فيها مئات الآلاف من الشباب.
على كل القوى السياسية والمجتمعية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني أن ترفع صوتها عاليا ضد هذه الجريمة. لا يمكن أن نكون انتقائيين في الدفاع عن حقوق الإنسان. دم الدهابي في شمال الوادي ليس أقل قدسية من دم أي مواطن آخر في أي بقعة من السودان.
رحم الله شهداء لقمة العيش، شهداء الذهب، شهداء الغلابة. نسأل الله أن يتقبلهم قبولا حسنا، وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان، وأن يلهم وطننا الحكمة لوقف نزيف الدم الذي طال أمده.
والعدالة لأسر الضحايا ليست منة، بل حق أصيل
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com.



