Uncategorized
التعليم الذاتي عبر الإنترنت.. من رف الكتاب إلى فضاء المعرفة المفتوح بقلم: علاء الدين محمد أبكر

التعليم الذاتي عبر الإنترنت.. من رف الكتاب إلى فضاء المعرفة المفتوح
بقلم: علاء الدين محمد أبكر
لم يعد التعليم حكراً على جدران الفصل الدراسي، ولا شهادة تُعلق على الحائط، بل أصبح حالة وعي مستمرة. ففي الماضي كان من يفوته قطار الدراسة يفوته العمر كله، أما اليوم فقد جاء الإنترنت ليوقف ذلك القطار ويعيد إركاب الملايين. بات بمقدور أي شخص، في أي عمر، وفي أي قرية نائية، أن يلتحق بركب المعرفة عبر التعليم الذاتي.
ولم يعد هذا التعليم ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة حياتية. فعبر هاتف صغير، يمكنك اليوم أن تتعلم لغة جديدة من الصفر حتى الطلاقة عبر تطبيقات مثل Duolingo، وأن تتعلم البرمجة وتصميم المواقع، وأن تتقن صناعة الصابون والعطور وتركيب الطاقة الشمسية وصيانة الهواتف، وهي صناعات صغيرة كانت في الماضي حكراً على من يسافر للمدن ليتعلمها. اليوتيوب وحده أصبح جامعة شعبية مفتوحة، فيها النجار والحداد والخياط يعلمك حرفته مجاناً.
ولكن، وهنا بيت القصيد، الإنترنت بدون مرشد يمكن أن يتحول من نعمة إلى نقمة.
التعليم الذاتي لا يعني إلغاء دور المعلم. المعلم هو الذي يضع لك القاعدة، هو الذي يعلمك كيف تتعلم. الإنترنت هو مرجع، هو مكتبة ضخمة، ولكنه ليس الأستاذ. ولتوضيح الفكرة، هناك أقراص حصص مدرسية تباع في الأسواق، فيها شرح كامل للمنهج. هذه الأقراص مفيدة جداً للطالب الذي درس المادة وفهم أساسياتها ويريد المراجعة، لكنها لا تفيد أبداً شخصاً لم يدخل المدرسة أصلاً. سيستمع للكلام ولا يفهمه. كذلك الإنترنت، لا بد أن تكون لديك أرضية تنطلق منها، وإلا غرقت في بحر المعلومات.
إن الفرق الجوهري بين الكتاب الورقي والإنترنت هو عامل الزمن. الكتاب يعطيك المعلومة ببطء، بعد بحث وجهد وذهاب للمكتبة. الإنترنت يعطيك المعلومة في ثوانٍ. هذا التسارع اختصر عمراً كاملاً من الجهد. ولم يخدم التعليم وحده، بل خدم حياتنا كلها. ففي السودان مثلاً، كان إرسال المال يستغرق أياماً، اليوم عبر تطبيق “بنكك” يتم في ثانية. طلب سيارة أجرة كان يحتاج للوقوف في الشارع، اليوم بضغطة زر في تطبيق ترحال. هذا كله وجه من أوجه التعلم الرقمي الذي سهل الحياة.
والأجمل أن التعليم الذاتي يعيد تعريف الإنسان. أن تظل تتعلم يعني أن تظل حياً. أن تقرأ في التاريخ، وتتعلم في الدين، وتثقف نفسك في الصحة والاقتصاد والتربية. هذه هي المعرفة الشاملة التي تجعل منك إنساناً متوازناً. والحكمة القديمة تقول: يظل الإنسان عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل. فلا تقل أنا عالم، بل دع الناس تكتشف علمك من تواضعك وسلوكك.
لقد انتقلنا فعلياً من عصر الورق إلى عصر الشبكة. وهذا الانتقال له ثمن. الثمن هو خطر المعلومة المضللة. الكتاب الورقي يمر بمراحل: تأليف، ومراجعة، وتدقيق، وطباعة، ونشر، وهي عملية مكلفة تجعل التزوير صعباً. أما الإنترنت، فأي شخص يمكنه أن يكتب أي شيء، وينشره في ثانية، ويصدقه آلاف الناس. هناك ملايين المواقع التي تبيع الوهم، سواء في الطب أو الدين أو التاريخ.
لذلك، فالوصية الذهبية لكل من يسلك طريق التعليم الذاتي عبر الإنترنت هي ثلاث:
أولاً: لا تأخذ معلومتك من أول رابط يظهر في جوجل. ابحث عن المصادر الموثوقة، الجامعات المعروفة،
ثانياً: اجعل لك معلماً ولو عن بعد، ترجع إليه عند الالتباس.
ثالثاً: لا تتوقف. اجعل التعلم عادة يومية ولو نصف ساعة. فالعالم يتغير كل يوم، ومن لا يتعلم يتخلف.
الإنترنت أعطانا المفتاح، لكن علينا نحن أن نختار الباب الصحيح.
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com




