Uncategorized

بدعة كروية بقلم: علاء الدين محمد أبكر

بدعة كروية

بقلم: علاء الدين محمد أبكر

في كرة القدم، القانون ليس وجهة نظر، ولا يمكن تفصيله على مقاس كل مباراة، ولا يمكن اختراع حلول وسط ترضي الجميع على حساب العدالة. القانون هو الحارس الأخير لعدالة اللعبة، فإذا عبثنا به في الدرجات الدنيا وفي دوريات الناشئين والبراعم، فلا ننتظر عدالة في القمة ولا نحلم بكرة قدم محترمة.

استمعت اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 إلى برنامج عالم الرياضة العريق بالإذاعة السودانية، ذلك البرنامج الذي تربينا عليه وتربى عليه جيل كامل من الرياضيين والإداريين، وسمعت خبرا أثار دهشتي واستفز غيرتي على القانون.

في إحدى المنافسات المحلية – لم أحفظ اسم المنطقة بالتحديد – المهم في الأمر أن الحكم أطلق صافرة إيقاف المباراة بسبب انعدام الرؤية، ربما لرياح عاتية أو عاصفة ترابية حجبت الملعب، وهو قرار سليم وشجاع وفي صميم سلطاته التقديرية التي يمنحها له القانون، فسلامة اللاعبين فوق كل اعتبار وفوق النتيجة.

لكن الكارثة لم تكن في الإيقاف، بل كانت فيما بعد الصافرة.

قررت اللجنة المنظمة هناك، في سابقة غريبة لا توجد إلا في ملاعبنا، استئناف المباراة بتنفيذ ركلات من نقطة الجزاء لتحديد الفائز! وكأننا في نهائي كأس العالم، لا في مباراة دورية كان يمكن إكمالها.

وهنا نقف أمام بدعة كروية مكتملة الأركان، ومخالفة صريحة لا تحتاج إلى خبير تحكيمي لاكتشافها، بل تحتاج فقط إلى فتح كتاب القانون.

ماذا يقول قانون الفيفا حرفيا؟ دعونا نضع النصوص أمام الجميع:

النص الأول: القاعدة الذهبية – القانون السابع

ينص كتاب قوانين اللعبة 2025/2026 الصادر عن المجلس الدولي للتشريع IFAB في القانون 7 الخاص بمدة المباراة على القاعدة الآتية:

إعادة لعب المباراة الملغاة ما لم تقرر لوائح المنافسة أو منظمو المنافسة غير ذلك.

وفي التحديث الأخير لقانون 2026/2027 تم تفصيله أكثر لمنع التحايل:

تُعاد المباراة الملغاة، ما لم تنص قواعد المسابقة أو يقرر منظموها خلاف ذلك؛ على أن يُعتبر الفريق الذي يتسبب في إلغاء المباراة بسبب انخفاض عدد لاعبيه إلى أقل من سبعة يُعتبر خاسرا للمباراة، من حيث المبدأ.

لاحظوا، القانون يقول تُعاد أو تُستكمل، ولم يقل إطلاقا تُحسم بركلات الترجيح.

النص الثاني: كيف تُعاد؟ التعديل الثوري للفيفا منذ 2017

أنهى الفيفا منذ تصفيات كأس العالم 2018 عصر الإعادة الكاملة للمباراة الملغاة. وجاء في التعميم الرسمي الذي أرسل لكل الاتحادات الوطنية واعتمد في كل مسابقاته:

FIFA now requires matches abandoned during play to be restarted at a later date with the same line-ups from the point the clock stopped. Previously a full 90-minute replay was ordered.

ترجمة النص: يطلب الفيفا الآن أن المباريات الملغاة أثناء اللعب يجب أن يُستأنف لعبها في تاريخ لاحق بنفس التشكيلات من النقطة التي توقف عندها الوقت، بعد أن كان يُطلب سابقا إعادة 90 دقيقة كاملة.

هذا النص وحده يهدم قرار تلك اللجنة المحلية من أساسه. القانون الدولي يفرض الاستئناف من نفس الدقيقة، وبنفس النتيجة، وبنفس اللاعبين الـ 22 الموجودين داخل الملعب، وبنفس البطاقات الصفراء والحمراء المسجلة، وبنفس عدد التبديلات المتبقية. فكيف قفزت اللجنة إلى نقطة الجزاء؟

النص الثالث: متى نعتبر المباراة ملغاة لظرف قاهر؟

تحدد لائحة الفيفا التنظيمية الحالات الحصرية التي يمكن فيها إعادة المباراة بسبب ظروف قهرية، ومنها:

تعذر استكمال المباراة بسبب ظروف قهرية، مثل الأحوال الجوية السيئة أو انقطاع الكهرباء أو حدوث مشكلات إنشائية تؤثر على سلامة الملعب أو المدرجات.

وحالة انعدام الرؤية بسبب الرياح التي ذكرها الحكم، تدخل بوضوح تحت بند الأحوال الجوية السيئة التي تجعل استمرار المباراة مستحيلا. وهي حالة لا ذنب لأي فريق فيها.

إذن، ما هو التسلسل القانوني الصحيح الذي كان يجب أن يحدث؟

حتى يستفيد منه حكامنا وإداريونا في روابط الناشئين والبراعم، لأنهم أساس المستقبل، فإن الإجراء الصحيح يمر بمرحلتين إلزاميتين:

الخطوة الأولى: التقرير… ولا قرار قبله.

لا يجوز لأي لجنة منظمة، مهما كانت سلطتها، أن تصدر قرارا قبل أن تستلم وتقرأ بعناية تقرير الحكم الأول وتقرير مراقب المباراة. هذان التقريران هما عينا اللجنة وأذناها على الملعب. ماذا كتب الحكم؟ هل كتب: أوقفت المباراة في الدقيقة 70 لانعدام الرؤية بسبب عاصفة ترابية؟ هذا توصيف دقيق لظرف قاهر لا يد لأحد فيه.

اللجنة التي تقفز مباشرة إلى ركلات الترجيح دون تقرير، هي لجنة تدير بالهاتف لا بالقانون، وتخالف مبدأ قرارات ميدان اللعب الذي تحصنه محكمة التحكيم الرياضي الدولية CAS.

الخطوة الثانية: التكييف القانوني للسبب… وهنا مربط الفرس.

وهنا ينقسم الطريق إلى مسارين لا ثالث لهما، وكل مسار له حكم مختلف تماما:

المسار الأول: ظرف طبيعي قاهر.
كالأمطار الغزيرة التي تغمر الملعب، أو الرياح العنيفة، أو انقطاع التيار الكهربائي ليلا. في هذه الحالة، لا ذنب لأي فريق، والنية سليمة. والقانون هنا رحيم وعادل، يخير اللجنة المنظمة بين خيارين واضحين فقط: إما استكمال المباراة من الدقيقة التي توقفت عندها بنفس نتيجتها وظروفها، أو إعادتها كاملة من الصفر في موعد جديد، وذلك حسب ما تنص عليه لائحة المنافسة المعنية. لكنه في كل الأحوال لا يقول: اذهبوا إلى نقطة الجزاء.

المسار الثاني: ظرف بشري متعمد.
كاعتداء جمهور على الحكم، أو انسحاب فريق احتجاجا، أو اعتداء لاعب على المنافس. هنا لا نكمل المباراة ولا نعيدها، بل نطبق اللائحة الانضباطية فورا، ويُعتبر الفريق المتسبب في الإيقاف خاسرا بنتيجة 0-2، مع عقوبات إضافية قد تصل إلى خصم نقاط.

فأين تقع ركلات الترجيح من هذا كله؟ لا مكان لها إطلاقا إلا في حالة واحدة فقط نص عليها القانون: إذا كانت المباراة في الأصل مباراة كؤوس بنظام خروج المهزوم، ولا بد لها من فائز، وانتهى وقتها الأصلي والإضافي بالتعادل. أما أن نختصر 20 دقيقة متبقية من مباراة دوري بركلات ترجيح، فهذا ليس حلا، بل هو هروب من تطبيق القانون، واستسهال يدمر عدالة المنافسة.

لماذا هذه الحادثة خطيرة؟

الخطر الأكبر في هذه الحادثة ليس في ثلاث نقاط ضاعت من فريق وذهبت لآخر، بل في الرسالة التربوية المدمرة التي نوصلها للناشئين.

عندما يرى طفل في الخامسة عشرة أن القانون يمكن أن يُفصل ويُلوى عنقه بركلات جزاء ترضية للطرفين، فكيف سيحترم القانون عندما يصبح لاعبا في الممتاز؟ وكيف سيحترم قرار الحكم؟ نحن بهذا القرار نعلم أبناءنا أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن المهم هو أن ننهي المباراة بأي طريقة ونرفع الحرج عن اللجنة، حتى لو خالفنا كتاب القانون الذي ندعي أننا نطبقه.

نحن نزرع فيهم بذرة التحايل بدلا من بذرة الانضباط.

كرة القدم في السودان تعاني من ضعف البنية التحتية، ومن قلة الملاعب، ومن شح الإمكانات، وهذا كله مقدور عليه ويمكن تجاوزه بالصبر والعمل، لكنها يجب ألا تعاني أبدا من ضعف الفهم القانوني. لوائح الفيفا موجودة ومترجمة إلى العربية، ودورات الحكام متوفرة، ومحاضرات التثقيف يبثها عالم الرياضة وغيره يوميا.

المطلوب ليس اختراع قانون جديد، بل تطبيق القانون الموجود.

أتمنى من الاتحاد المحلي المعني بهذه الواقعة أن يراجع برنامج عالم الرياضة ويستفسر عن المنطقة التي حدثت فيها تلك المنافسة، وأن يلغي فورا نتيجة ركلات الترجيح، ويأمر باستكمال المباراة من حيث توقفت، ليس انتصارا لفريق على آخر، فالفريقان أبناؤنا، بل انتصارا للقانون نفسه، وانتصارا لهيبة التحكيم.

احترموا قانون اللعبة في الأسفل، يحترمكم اللاعبون في الأعلى، وتستقيم منافساتنا.

علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com.

مقالات ذات صلة

إغلاق