Uncategorized

هل يمكن أن تنتقل مشاكل الطفولة إلى الكِبر؟ بقلم: علاء الدين محمد أبكر

هل يمكن أن تنتقل مشاكل الطفولة إلى الكِبر؟

بقلم: علاء الدين محمد أبكر

نعم، يمكن أن تنتقل.. بل إن أخطر أنواع العداوات هي تلك التي تُزرع بذرتها في الطفولة وتُسقى بصمت لسنوات، حتى تتحول في الكِبر إلى جبل من الجليد لا تذيبه حرارة المنطق.

في علم النفس، هناك حقيقة لا يختلف عليها اثنان: شخصية الإنسان لا تُولد في العشرين، بل تُبنى لبنة لبنة منذ السنوات الخمس الأولى. فالطفل الذي يشعر بالرفض، أو السخرية، أو التمييز، أو الظلم بين أقرانه أو داخل أسرته، لا ينسى. قد ينسى تفاصيل الحادثة، لكنه لا ينسى أبداً شعورها.

تجد في الحي الواحد، أو في الفصل الدراسي، طفلين لا يحبان بعضهما. السبب قد يكون تافهاً في نظر الكبار: لعبة، كلمة سخرية، انحياز معلمة، أو غيرة. لكن في عقل الطفل الصغير، هذا السبب هو العالم كله. ومع مرور الزمن، يكبر الجسد وتبقى تلك الصورة المشوهة محفورة في الذاكرة الوجدانية.

وما يزيد الطين بلة أننا في مجتمعاتنا لا نعالج هذه المشاحنات الصغيرة، بل نتركها ونقول: أطفال وسينسون. والحقيقة أنهم لا ينسون، بل يكبتون. ومع أول فرصة في مرحلة الشباب والكِبر، يظهر هذا الكبت في صورة رفض غير مبرر، نفور، عدم ارتياح، أو حتى رغبة في الانتقام والتشفي.

وقد تتطور الكراهية الطفولية إلى مراحل أخطر بكثير:

أولاً: الكراهية الصامتة: أن ترى شخصاً فتشعر بانقباض دون أن تعرف السبب الحقيقي، والسبب هو ذاكرة قديمة لم تُعالج.

ثانياً: العداوة الموروثة: أن ينتقل هذا الرفض إلى الأبناء، فيكبر الابن وهو يكره ابن جاره لأن أباه كان يكره أباه وهو صغير.

ثالثاً: تعطيل المصالح: في العمل، في الزواج، في الشراكة، تجد شخصاً يرفض التعامل مع آخر فقط لأنه لا يرتاح له منذ الصغر، فيضيع فرصاً كثيرة على نفسه وعلى مجتمعه.

إن علاج هذه الظاهرة لا يكون بالتجاهل، بل بثلاث خطوات:

1. الاعتراف: أن نعترف لأنفسنا أننا نحمل رواسب طفولية تجاه أشخاص معينين.
2. المواجهة والمصارحة: أحياناً جلسة صفاء واحدة في عمر الثلاثين قادرة على محو 20 سنة من سوء الفهم الذي بدأ في عمر العاشرة.
3. التربية الواعية: أن نعلم أطفالنا ثقافة الاعتذار والتسامح، وألا نغذي فيهم روح الانتقام بكلمات مثل لا تلعب معه و خذ حقك بيدك.

الطفولة ليست مرحلة وتنتهي، الطفولة هي الجذر، وكل ما نراه في الكِبر من حب وكره، ونجاح وفشل، وثقة وخوف، ما هو إلا أغصان لذلك الجذر.

فمن أراد أن يبني مجتمعاً متسامحاً في كِبره، فليزرع التسامح في طفولته.

علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

إغلاق