Uncategorized

أعلي المنصة ياسر الفادني قلبك رغم الطيبة الفيهو… أنا أستغرب كيف اتحوّل؟

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

قلبك رغم الطيبة الفيهو… أنا أستغرب كيف اتحوّل؟

(اسأل نفسك) هي أغنية تمثل حالة وجدانية كاملة، ومشهد عاطفي مكتمل الأركان، كتبها أبو قطاطي بحبر القلب، ولحّنها أحمد زاهر بأنفاس الذاكرة، وغنّاها زكي عبد الكريم بصوتٍ فخيّم، يُشبه المطر حين يهمي على أرضٍ عطشى

في هذه القصيدة، كتب ابو قطاطي ليفتح نوافذ للروح، سؤالاً عابراً، بل مساءلة أخلاقية ناعمة، وعتاب شفيف مغلّف بالمحبة، بنى نصه على تقابل شعوري ذكي بين الأمس واليوم، بين الوفاء والتنكر، بين الحلم والانكسار، جاءت الاستعارات رقيقة، والتشابيه شفافة، لا تصرخ ولا تتباهى، بل تهمس في عمق الإحساس، وحين يقول: (وقلبك رغم الطيبة الفيهو… أنا بستغرب كيف اتبدل)؟، فهو لا يطلق اتهاماً، بل يزرع دهشة موجعة، لأن التعجب هنا أعمق أثراً من الغضب، وأكثر فتكاً من اللوم

النص كله قائم على حوار داخلي صادق، يجعل المستمع يقف أمام نفسه عارياً من المبررات، ويضعه في مواجهة مباشرة مع ذاكرته، حيث تختلط لحظات الصفاء بندم الفقد، ويصبح السؤال أكبر من مجرد عتاب، بل مراجعة وجودية كاملة لمعنى الإخلاص والتغير

أما لحن أحمد زاهر فجاء وكأنه يسير على أطراف القلب، لحن مشبع بالدندنة الشجية، يتسلل إلى الوجدان دون ضجيج، ويقيم في الذاكرة دون استئذان، لا استعراض فيه ولا تعقيد، بل بساطة ذكية تشبه النبض الطبيعي للمشاعر الصادقة، اللازمات الموسيقية منحت النص مساحات تنفس، فبدت الكلمات وكأنها تطفو على موج هادئ، يحملها إلى أعماق الشعور بلا صدام ولا ارتطام، إنه لحن يعرف جيداً أن الطريق الأقصر إلى القلب هو الصدق

صوت زكي عبد الكريم منح الأغنية بعدها الإنساني الأعمق، صوته ليس جهورياً ولا صاخباً، لكنه ممتلئ بالدفء، محمّل بتجربة وحنين، ومترف بصدق الاعتراف، أداؤه لا يستجدي التأثير، بل يترك للأحاسيس أن تتدفق وحدها، فيخرج العتاب هادئاً، والوجع نبيلاً، والشجن شفيفاً، لقد سكن زكي الكلمات أكثر مما غنّاها، فجعل المستمع يشعر أن الأغنية تُروى من داخله لا من مكبرات الصوت،
(اسأل نفسك) من تلك الأعمال التي لا يطالها التقادم، لأنها كُتبت من منطقة لا تشيخ: منطقة القلب، كلما عادت إلى مسامعنا، عادت معها أسئلتنا القديمة، وارتجفت فينا مناطق الضعف، واستيقظت لحظات كنا نظن أننا تجاوزناها، هي أغنية لا تُطرب فقط، بل تُربك، وتُراجع وتُوقظ

إني من منصتي استمع لها …ثم أقول: إن هذه الأغنية ستظل شاهدة على أن الفن الحقيقي لا يشيخ، وأن الكلمة الصادقة حين تتلاقى مع اللحن النبيل والصوت المخلص تُنجب عملاً خالداً، يعبر الزمن، ويستقر في القلب بلا استئذان.

مقالات ذات صلة

إغلاق