Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني هل تشتعل الجغرافيا بين أمريكا وإيران… ويدفع الخليج الثمن؟

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

هل تشتعل الجغرافيا بين أمريكا وإيران… ويدفع الخليج الثمن؟

الحروب لا تُقاس بعدد الدبابات ولا بعدد الطائرات التي تعبر السماء، بل بعدد الصنابير التي قد تجف فجأة، وعدد المدن التي قد تغرق في الظلام، ما يُتداول عن قائمة إيرانية تستهدف منشآت مياه وكهرباء في الخليج، في حال أقدم دونالد ترامب على ضرب البنية التحتية للطاقة داخل إيران، يكشف بوضوح أن العالم يقف أمام تحول خطير: من حرب عسكرية تقليدية إلى حرب على شرايين الحياة نفسها

هذه ليست تهديدات تقليدية تُطلق في الهواء لرفع سقف التفاوض، بل رسالة محسوبة بدقة تقول إن المعركة، إن اشتعلت، لن تبقى داخل حدود الجيوش، حين تُذكر محطات تحلية المياه ومحطات الكهرباء بالاسم، فالمقصود ليس إيلام الخصم عسكرياً، بل خنق المجتمع من الداخل

هنا يتحول الصراع من مواجهة بين دول إلى اختبار قاسٍ لقدرة الشعوب على البقاء
إيران، التي عاشت سنوات طويلة تحت الضغط والعقوبات، تدرك أن استهدافها في قطاع الطاقة محاولة شلّ الدولة بالكامل، لذلك، فإن الرد كما توحي هذه القائمة لن يكون على قواعد عسكرية، بل على نقاط الضعف الأكثر حساسية في الخليج: الماء والكهرباء. في بيئة صحراوية تعتمد على التحلية بشكل شبه كامل، يصبح ضرب منشأة واحدة كفيلاً بإرباك مدن كاملة، لا لأن الحرب وصلت إليها، بل لأن الحياة نفسها توقفت

إذا انزلقت الأمور إلى هذا المسار، فنحن أمام نموذج جديد من الصراع يمكن وصفه بـ(حرب البنى الخدمية)، حيث لا يكون الهدف احتلال الأرض، بل تعطيلها ، هذا النوع من الحروب لا يُنتج انتصارات سريعة، بل يخلق أزمات ممتدة: انقطاع مياه، انهيار خدمات، ضغط شعبي، وتوتر داخلي قد يفوق أثر الضربات العسكرية المباشرة، إنها حرب تُدار على أعصاب المدنيين، لا على خطوط الجبهات

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يمكن أن يكسب دونالد ترامب هذا الرهان؟ الإجابة ليست بسيطة. عسكرياً، قد تمتلك الولايات المتحدة القدرة على توجيه ضربات دقيقة ومؤلمة، لكن المعادلة لا تُحسم بالقوة وحدها، لأن أي استهداف لإيران في قطاع الطاقة سيُقابَل وفق هذا التهديد برد يطال دول الخليج، وهي ليست طرفاً مباشراً في الضربة، لكنها ستكون في قلب العاصفة، وهنا يتحول النصر العسكري المحتمل إلى خسارة استراتيجية أوسع، لأن استقرار سوق الطاقة العالمي نفسه سيكون على المحك

أما دول الخليج، فهي الأكثر عرضة لهذا النوع من الحروب، ليس ضعفاً، بل بسبب طبيعة بنيتها. الاعتماد الكبير على محطات التحلية وشبكات الطاقة المركزية يجعلها شديدة الحساسية لأي استهداف، ضربة واحدة دقيقة قد لا تُدمر دولة، لكنها كفيلة بإحداث صدمة اقتصادية ونفسية عميقة، وهذا ما يجعل التهديد الإيراني خطيراً، لأنه يستهدف نقطة لا يمكن تعويضها بسرعة

الأخطر من ذلك أن أي تصعيد في هذا الاتجاه سيهزّ الاقتصاد العالمي بأكمله. الطاقة ليست شأناً إقليمياً، بل عصب السوق الدولي، وأي اضطراب في الخليج سيعني ارتفاعاً حاداً في الأسعار، واضطراباً في الإمدادات، وربما دخول العالم في موجة جديدة من التضخم والركود، هنا لا تكون الخسارة محصورة بين واشنطن وطهران، بل تمتد إلى كل دولة تعتمد على استقرار هذا الشريان الحيوي

ما نشهده الآن ليس مجرد تصعيد سياسي، بل إعادة تعريف للحرب نفسها. الحرب لم تعد فقط بين جيوش، بل بين أنظمة حياة، لم تعد تستهدف الجنود، بل المدنيين بشكل غير مباشر عبر حرمانهم من أبسط مقومات العيش وهذه أخطر مرحلة يمكن أن تصل إليها أي مواجهة، لأنها تفتح الباب أمام فوضى لا يمكن السيطرة عليها بسهولة

إني من منصتي انظر …. حيث أري…. قد ينجح طرف في توجيه الضربة الأولى، وقد يرد الآخر بضربة موجعة، لكن الحقيقة القاسية أن الجميع سيخرج خاسراً إذا تحولت المعركة إلى حرب على الماء والكهرباء. لأن من يلعب بهذه الأوراق، لا يهدد خصمه فقط… بل يهدد فكرة الاستقرار نفسها.

مقالات ذات صلة

إغلاق