Uncategorized
علاء الدين محمد ابكر يكتب :أم فتفت التي عشقها السودانيون

علاء الدين محمد ابكر يكتب :أم فتفت التي عشقها السودانيون
تمهيد: حين تكون المرارة لذيذة
في مطبخ السودان الشعبي، هناك أطعمة “مؤدبة” تدخل البيوت من أبوابها، وهناك أطعمة “مشاغبة” تقتحم المزاج من الشباك. و”أم فتفت” هي زعيمة المشاغبات. اسمها وحده حكاية، وطعمها مغامرة، وعشاقها مدمنون لا يتوبون. هي ليست مجرد “كرشة”، بل هي فلسفة كاملة في تحويل ما يُرمى إلى ما يُشتهى، وفي استخلاص اللذة من قلب المرارة.
أولاً: ما هي أم فتفت؟ تشريح السلطانة
أم فتفت هي “الكرشة النية” للبهيمة، تُغسل وتُنظف وتُقطع “فتافيت” صغيرة بحجم اللقمة. ثم تُتبّل بخلطة سرية لا يعرفها إلا الراسخون في عشقها: دكوة تقيلة، شطة حمراء “قبانيت”، ليمون حامض يعصر بلا رحمة، بصل أبيض مقطع رقاق، شمار أخضر، توم مدقوق، وملح. وفي بعض المدارس يضيفون “المرارة” السائلة نفسها لمضاعفة الجرعة.
النتيجة؟ صحن يضرب في الرأس قبل البطن. نكهة تجمع بين الحموضة والحرقة والمرارة والدسامة في توازن مخيف. لا وسط فيها: إما أن تعشقها من أول لقمة، أو تهرب منها إلى الأبد.
ثانياً: طقوس الأكل… لا مكان للجبناء
أم فتفت لا تُؤكل على استحياء. لها بروتوكولها الخاص:
1. الزمن والمكان: وقتها الأصلي هو “الضحى” بعد الذبيح مباشرة في عيد الأضحى، حين تكون الكرشة “صابحة” وطازجة. ومكانها المفضل هو “ضل الضحى” تحت شجرة نيم، أو “راكوبة” السوق. لكن عشاقها كسروا القاعدة، فصارت تُطلب في كل وقت.
2. الصحبة: أكل أم فتفت فعل جماعي. لا تُلذ إلا في “لمة”. الصحن في النص، والأيدي تتصارع، والضحك يعلو. ومن “أدب المائدة” أن تترك اللقمة الأخيرة لأكبر الجالسين، أو لأكثرهم عشقاً.
3. المزاج المصاحب: بعدها لا بد من “شاي منعنع تقيل” يغسل الحلق، أو “ببسي بارد” يطفئ النار. ويقول الخبراء: “أم فتفت بتفتح النفس المقفولة، وتفتح الخشم للمزيد”.
ثالثاً: أم فتفت في الوجدان والأدب الشعبي
1. في الأمثال: “البطن ما فيها عضم، لكن فيها أم فتفت”، “أديني أم فتفت وخلي الجداد ينقد”، “المرارة بتجيب المرارة، وأم فتفت بتجيب السعادة”. المثل الأخير يلخص المفارقة: نأكل المرارة لنطرد مرارة الدنيا.
2. في الدوبيت والغناء: لم تدخل الحقيبة لأنها “بنت سوق”، لكنها حضرت في غناء البنات وفي “الهرجلة” بين الشباب. يقولون: “يا السمحاء يا أم فتفت.. ريقي ليك جرى”. وفي تشبيهات العشاق: “ريدا حار زي شطة أم فتفت”.
3. في الحكاية: تُحكى طرفة عن رجل مغترب عاد للسودان بعد 20 سنة، فأول ما طلبه من أهله “صحن أم فتفت”. فلما أكله بكى، وقال: “دي ريحة البلد”. فصارت أم فتفت “جواز سفر حسي” و”هوية بالمذاق”.
رابعاً: لماذا يعشقها السودانيون؟ سيكولوجيا المرارة
1. ثقافة “العتّي”: السوداني يحب الأكل “العِتّي” أي القوي النكهة. وأم فتفت هي قمة العتّي. فيها تحدٍ للحواس، وإثبات للرجولة عند البعض: “البياكل أم فتفت ما بخاف”.
2. اقتصاد الأزمة: هي وجبة “بنت الفقر الغنية”. لا تكلف شيئاً، فالكرشة كانت تُرمى أو تُعطى مجاناً. فحولها السوداني من “فضلة” إلى “أكلة رئيس”. وهذا درس في تحويل الندرة إلى وفرة.
3. طب شعبي: يعتقد كثيرون أنها “تنظف البطن” و”تقتل الديدان” و”تفتح الشهية”. والليمون والشطة والتوم فيها صيدلية كاملة. فهي لذة وعلاج.
4. الديمقراطية: مثل البوش، لا تعرف فرقاً بين غني وفقير. وزير المالية قد يتسلل لسوق “ستة” في الحاج يوسف ليأكلها متخفياً، لأنه لا يجدها في الفنادق.
خامساً: المدارس والخلافات… حرب المذاهب
حتى في أم فتفت، انقسم السودانيون مذاهب:
1. مدرسة “النية الصافية”:
تأكلها نيئة تماماً بلا مس نار، محافظة على “الطراوة”.
2. مدرسة “تشّة النار”:
يمررونها سريعاً على صاج حار “تشّة” لقتل ما فيها، مع الاحتفاظ بالنكهة.
3. مدرسة “الدكوة التقيلة”:
يغرقونها في الدكوة حتى تختفي ملامحها.
4. مدرسة “الشطة بس”:
لا يضيفون إلا الملح والشطة والليمون، احتراماً للطعم الأصلي.
والحرب بينهم سجال لا ينتهي، لكنهم يتفقون على شيء واحد: أم فتفت “ملكة”.
خاتمة: فلسفة الفتافيت
أم فتفت تعلمنا ثلاثة دروس:
1. لا شيء يُرمى: ما تراه فضلة، قد يكون أشهى ما في الوليمة.
2. اللذة في التناقض:
أجمل الأشياء تولد من رحم المرارة. والمجتمع الذي يصنع من الكرشة وليمة، مجتمع لا يُقهر.
3. الهوية في الصحن:
في زمن العولمة والبرقر، تظل أم فتفت خط دفاع أخير عن “المزاج السوداني” الأصيل.
فسلام على أم فتفت، سيدة الموائد الشعبية، وملكة الضحى، ورفيقة العيد. وسلام على كل يد “فتفتتها” بحب، وكل فم تلذ بها دون تردد.
كما يقول أهلنا: “الما ضاق المرارة، ما بعرف طعم الحلاوة”. وأم فتفت هي المرارة التي صارت حلاوة.
علاء الدين محمد أبكر
alaam9770@gmail.com



