Uncategorized
علاء الدين محمد أبكر يكتب: الجوع مقصلة الإبداع وقبر الطموح

علاء الدين محمد أبكر يكتب: الجوع مقصلة الإبداع وقبر الطموح
لا يمكن للروح أن تحلق وهي مثقلة بآلام المعدة، ولا يمكن للعقل أن يبتكر وهو مشغول بـ “تأمين البقاء”. إن الجوع ليس مجرد حالة بيولوجية من نقص السعرات الحرارية، بل هو وحش كاسر ينهش في كرامة الإنسان، ويحول طاقاته الذهنية من التفكير في “كيف نغير العالم؟” إلى “كيف نجد لقمة العيش؟”.
عندما يصبح البقاء هو الإنجاز الوحيد
في هرم الاحتياجات الإنسانية، يتربع الغذاء في القاعدة؛ وبدون استقرار هذه القاعدة، ينهار كل ما فوقها. عندما يسيطر الجوع على حياة الإنسان، فإنه يمارس نوعاً من الاستعمار الذهني. يضيق أفق الرؤية، وتتحول الأحلام الكبيرة إلى أمنيات صغيرة جداً لا تتجاوز رغيف الخبز.
إن الإبداع يتطلب قدراً من “الترف الذهني” والصفاء النفسي، لكن الجوع يضع الإنسان في حالة “تأهب مستمر” للنجاة، مما يقتل ملكة الخيال ويجعل من التفكير في الغد ترفاً لا يملكه الفقير.
كيف يحطم الجوع الإبداع؟
استنزاف الطاقة الذهنية: الدماغ يستهلك حوالي 20% من طاقة الجسم. في حالة الجوع، يدخل العقل في وضع “توفير الطاقة”، فيتوقف عن إنتاج الأفكار الخلاقة ليركز فقط على الوظائف الحيوية.
قتل المغامرة: الإبداع والمغامرة وجهان لعملة واحدة. الإنسان الجائع لا يملك رفاهية “الفشل”، فهو يخشى أي خطوة غير مضمونة النتائج، مما يدفعه للتمسك بالأنماط التقليدية والمملة طلباً للأمان الزائف.
تآكل الثقة بالنفس: الجوع غالباً ما يرافقه شعور بالهوان، وهذا الشعور يحطم الصورة الذاتية للإنسان، مما يجعله يشعر بأنه غير جدير بالنجاح أو التميز.
الجوع.. القاتل الصامت للطموح
الطموح هو الوقود الذي يحرك التغيير في المجتمعات، ولكن كيف يطمح المرء ليكون مهندساً أو عالماً أو فناناً وهو يرى أطفاله يصرخون من الجوع؟
”إن البطون الجاوية لا تبني حضارات، بل تكتفي بالبحث عن بقاياها.”
عندما يتحول المجتمع إلى ساحة للصراع على لقمة العيش، تنطفئ جذوة الطموح في عيون الشباب. وبدلاً من أن نفكر في استكشاف الفضاء أو تطوير التكنولوجيا، يصبح الطموح الأقصى هو الهجرة أو الحصول على وظيفة تسد الرمق، وهذا هو أعظم “إهدار للموارد البشرية” يمكن أن تواجهه أمة.
كلمة أخيرة
إن محاربة الجوع ليست مجرد فعل خيري أو واجب إنساني، بل هي ضرورة حضارية. إن تحرير الإنسان من قيد الجوع هو الخطوة الأولى لتحرير عقله وإطلاق طاقاته الإبداعية. فإذا أردنا أمة مبدعة، علينا أولاً أن نؤمن لها لقمة العيش بكرامة، لأن الأقلام لا تكتب بمداد من سراب، والعقول لا تبدع في أجساد ينهكها العدم.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com




