Uncategorized

من أعلي المنصة ياسر الفادني في نيالا… يموت الإنسان مرتين!

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

في نيالا… يموت الإنسان مرتين!

كانت نيالا مدينة تشبه الحلم، تمشي فيها الحياة بهدوء، وتتنفس الأسواق دفء الناس، وتعرف الوجوه بعضها بالمحبة قبل الأسماء، لكنها اليوم صارت مدينة منكوبة تمشي فوق جمر الخوف، مدينة أُفرغت من روحها، وجعلها الأوباش منطقة للجوع والرعب والموت المجاني

نيالا الآن ليست مدينة، بل سجن كبير بلا جدران، كل شارع فيها يحكي عن فاجعة، وكل بيت يحمل قصة جوع أو دم أو انتظار طويل للمجهول. الذين استباحوها لم يدخلوا إليها كمقاتلين، بل دخلوها كإعصار أسود ترك خلفه الخراب والنهب والقهر، حتى صار صوت الرصاص فيها أعلى من صوت الحياة، وصار منظر العربات المدججة بالسلاح جزءاً من المشهد اليومي، بينما يقف المواطن الأعزل محشوراً بين الخوف والجوع وانعدام الحيلة

في نيالا، لا ترى ملامح البشر كما كانت، ترى وجوهاً أكلها التعب، وعيوناً فقدت دهشتها، وأطفالاً كبروا دفعة واحدة تحت وقع الرصاص. المدينة التي كانت تضج بالحركة صارت تلبس ثوب البؤس الكامل، حتى الهواء فيها يبدو مثقلاً بالحزن.

الجوع هناك هو سكين بطيء يذبح الناس كل يوم. المواطن لا يملك حق الخروج، وكأن المدينة أُغلقت بأقفال الخوف، ومن بقي فيها صار رهينة لمزاج المليشيا وسلاحها. الناس لا يبحثون عن رفاهية الحياة، بل عن لقمة تحفظ ما تبقى من أرواحهم، وعن ليلة تمر بلا اقتحام أو رصاصة طائشة أو جثة جديدة في الطريق

في نيالا، يصبح الموت عادياً بصورة مرعبة. الإنسان هناك يموت مرتين؛ يموت أولاً حين يسحقه الجوع والذل والعجز، ويموت ثانية عندما يحاول أن يرفع رأسه مطالباً بحقه في الحياة.
عند الجنجويدي، صار قتل النفس أمراً سهلاً، أسهل من تعديل (الكدمول) حين يميل على الوجه. تلك القسوة التي نزعت من المدينة معنى الأمان، ومن الإنسان معنى الكرامة

الأشد وجعاً ليس ما يحدث فقط، بل ذلك الصمت العالمي البارد، ذلك العالم الذي يشاهد المأساة من خلف الشاشات وكأنها فيلم طويل لا يعنيه. بيانات باهتة، وتصريحات خجولة، بينما مدينة كاملة تُذبح بالبطيء، والناس فيها يتساقطون بين الجوع والرصاص والنسيان

نيالا اليوم لا تحتاج إلى شفقة، بل تحتاج إلى ضمير حي. تحتاج إلى من يسمع أنينها المكتوم تحت صوت البنادق. تحتاج إلى من يفهم أن المدن لا تموت دفعة واحدة، بل تموت حين يُترك أهلها وحدهم في مواجهة القهر.
سيكتب التاريخ كثيراً عن الحرب، لكنه سيتوقف طويلاً أمام نيالا، المدينة التي لم يكن الموت فيها حادثة فحسب ، بل صار أسلوب حياة مفروضاً على الأبرياء.

إني من منصتي أنظر… حيث أقول: سيبقى السؤال المؤلم معلقاً في وجه العالم: كيف استطاع البشر أن يشاهدوا مدينة كاملة تموت مرتين… ثم يواصلوا حياتهم كأن شيئاً لم يكن؟

مقالات ذات صلة

إغلاق