Uncategorized
علاء الدين محمد ابكر يكتب الفقر في السودان هل هو قدر أم صناعة ممنهجة؟

علاء الدين محمد ابكر يكتب الفقر في السودان هل هو قدر أم صناعة ممنهجة؟
من المفارقات العجيبة أن العهد الاستعماري كان هو العصر الذهبي للاقتصاد السوداني. في تلك الفترة امتلك السودان أسطولاً بحرياً ونهرياً، وسكاً حديدية تربط أطرافه، وميناء بورتسودان كبوابة للعالم، ومشروع الجزيرة الزراعي كأكبر مشروع مروي تحت إدارة واحدة في أفريقيا.
إلى جانب ذلك قامت مشاريع إعاشة على النيل الأبيض والنيل الأزرق، ومشاريع واعدة في جنوب السودان السابق وجبال النوبة، وغيرها من المشاريع التي لا تُحصى. كلها قامت على يد الإدارة البريطانية التي كانت تسيطر على السودان، بجانب سيادة رمزية لمصر.
حياة الناس في ذلك الزمن
حسب حكاوي الأجداد، كان الوضع المعيشي في قمة الرفاهية مقارنة بما نعيشه اليوم. التعليم مجاني بلا مقابل، والعلاج كذلك. كانت الحدائق العامة معدة للترفيه، والشوارع نظيفة، والمنازل تخضع لرقابة صحية.
كان هناك مفتش للصحة المنزلية يتأكد من نظافة مياه الشرب ودورات المياه. وكانت النفايات تنقل عبر لوريات ضخمة عُرفت محلياً بناس العيفونة نسبة للرائحة التي تفوح منها، وهي من طرائف ذلك الزمن.
حتى الرياضة نالت نصيبها من الاهتمام الإداري. فانعكس ذلك على إنجازات السودان الرياضية لاحقاً. كان لدينا منتخب قوي لكرة القدم يتمتع بلياقة بدنية ممتازة ومهارات عالية، في زمن لم تكن فيه كرة القدم قد عرفتها دول الجوار.
بعد الاستقلال: انهيار التدريجي
كان المتوقع أن تستمر النهضة التي شهدها السودان في العصر الاستعماري، لكن ما حدث هو العكس. تراجعت الخدمات التي كانت تقدمها الدولة للمواطن. صار العلاج بمقابل، والتعليم بمقابل. ارتفعت أسعار مواد البناء والطعام بسبب ضرائب غير مبررة.
انهارت المناشط الرياضية. حتى أصبح منتخبنا وأنديتنا مشردة تلعب في دول الجوار، لأننا لم نعد نملك ملاعب صالحة. الحدائق والمنتزهات التي كانت مجانية صار الدخول إليها بمقابل مالي.
واليوم وبعد الحرب اختفت كثير منها من الوجود، فصارت وقوداً للطهي. وغيرها من المواجع التي يطول شرحها.
السؤال الجوهري
الفقر الذي أصاب المواطن السوداني، هل هو قدر من السماء وغضب أنزله الله علينا؟
إن كان هذا أحد الأسباب، فهل نحن شعب سيء إلى هذه الدرجة مقارنة بشعوب لا تتحرج في التباهي بالمفاسد الأخلاقية بل تعلن عنها بشكل رسمي؟ ونحن بحمد الله لم نصل إلى ذلك المستوى، وهذا لا يعني أننا ملائكة.
أما إذا كان هناك برنامج ممنهج للفقر في البلاد، فهذا هو الأقرب للصواب.
الهدف انعكس في تشريد المواطنين. جزء كبير منهم فضّل ترك البلاد والعيش في الغربة. صارت البلاد طاردة، لا يستطيع العيش فيها إلا من امتلك المال والنفوذ.
أو من انخرط في شبكات الحرامية الذين ينشطون في عصابات التسع الطويلة وغيرها. عصابات صار لها نفوذ يشبه نفوذ المافيا في أوروبا، تتحكم في أمن الناس وأرزاقهم.
الخلاصة
السودان ليس فقيراً بموارده. الأرض تفيض بالخير، والمياه تجري، والإنسان قادر على العمل.
لكن الفقر هنا يبدو أنه خيار إداري وسياسي قبل أن يكون قدراً إلهياً. خيار حوّل دولة كانت تُطعم غيرها إلى دولة تستجدي قوت يومها.
إذا لم نعترف بأن الفقر صناعة، فلن نوقف ماكينتها. والاعتراف أول خطوة نحو استرداد ما سُلب من هذا الشعب: كرامته، ومعاشه، وحقه في أن يعيش على أرضه عزيزاً.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



