Uncategorized

علاء الدين محمد ( ابو رناد) يكتب:.. شركة السودان للأقطان وإغلاق نافذة التعافي

علاء الدين محمد ( ابو رناد) يكتب:.. شركة السودان للأقطان وإغلاق نافذة التعافي

تمر شركة السودان للأقطان بأدق مراحلها منذ تأسيسها، بعد أن فضت شركة متكوت العالمية للتجارة والاستثمار شراكتها مع الشركة، وشرعت في تصفية أعمالها عبر المحكمة، عقب استقالة المدير العام الجديد الفريق د. نصر الدين عبد الفتاح التي أقرها مجلس الإدارة في اجتماع 22 يوليو 2026م.

تمثل شركة متكوت أكبر وأهم شريك له الرؤيا والإستراتيجية دخل على خط إنقاذ شركة الأقطان في السنوات الأخيرة. لم يكن دورها مقتصرا على ضخ استثمارات، بل كانت تمثل “غطاء التمويل” الذي تحتاجه الشركة للتعامل مع مؤسسات التمويل الدولية.
عبر علاقاتها الخارجية، ساهمت متكوت في استقطاب تمويلات بملايين الدولارات من بنك التنمية الإسلامي بجدة لتأهيل المحالج المتوقفة، وونفذت مع البنك الفرنسي ABC لتمويل زراعة نحو 500 ألف فدان قطن. هذه التمويلات كانت تمثل طوق نجاة في وقت عجزت فيه الشركة عن توفير النقد الأجنبي لمدخلات الإنتاج والصيانة ، وتم ذلك عهد المدير العام في ذلك الوقت ، الدكتور عابدين محمد على ومجلس إدارته بروح الجسد الواحد ، يمتلكون الخبرة الكافية في إدارة العمل الجماعي ، منهم المرحوم رئيس مجلس الإدارة ، عباس عبد الباقي حمد الترابي ، والقامة صلاح المرضي رئيس إتحاد مزارعي السودان والأستاذ جمال دفع الله الناطق الرسمي بإسم المجلس …
ومن الكوادر المؤهلة على سبيل المثال لا الحصر ، الأستاذ صلاح عثمان حسين والمرحوم عمر يعقوب ، والسر اللعوتة والأمين بانقا من شركة الاقطان ومن متكوت ، معتصم أبايزيد وقامات من المهندسين الأكفاء .. .

وبانسحابها الآن، تفقد شركة السودان للأقطان ثلاثة أشياء دفعة واحدة: مصدر تمويل خارجي مباشر كان يعوض عجز الخزينة العامة، والثقة الائتمانية لدى البنوك والمؤسسات الدولية، فغياب شريك دولي معروف يجعل أي تمويل مستقبلي أكثر كلفة وأكثر تعقيدا في الضمانات، والخبرة الفنية والتسويقية في الوصول لأسواق القطن العالمية، وهو ما كانت توفره متكوت عبر شبكتها.

جاء انسحاب متكوت متزامنا مع فراغ إداري حاد. فاستقالة الفريق نصر الدين تركت الشركة بلا قيادة مركزية، وتم تكليف المدير الإقليمي ببورتسودان بتسيير العمل، بينما تعاني الإدارات الحيوية – القانونية، التجارة، البحوث، التخطيط – من تجفيف شبه كامل للكوادر المؤهلة.
الكلفة الاقتصادية لهذا الفراغ مباشرة: تأخر قرارات التمويل، تعثر الموسم الزراعي، وتراجع القدرة على التفاوض مع المشترين الخارجيين. وفي قطاع كالقطن، حيث التوقيت هو كل شيء، فإن تأخير أسبوع واحد في توفير التقاوي أو السماد يعني خسارة إنتاجية الموسم بأكمله.

تواجه الشركة مديونيات تتجاوز 24 ترليون جنيه سوداني، معظمها التزامات متراكمة لمزارعين وموردين وبنوك. وفي المقابل، يوجد على الطاولة عرض تمويل سعودي بقيمة مليار دولار، هو الأضخم منذ حرب الكرامة، مخصص للنهوض بالمشاريع الزراعية القومية الثلاثة وتوفير السماد والتقاوي والآليات مع تركيز خاص على القطن.
تجاهل هذا العرض يعني الاستمرار في دائرة الاقتراض الداخلي المكلف والتوسع في طباعة النقود، ما يفاقم التضخم ويضغط على سعر الصرف. بينما قبول التمويل كان سيحقق ثلاثة عوائد اقتصادية مباشرة: توفير حصائل صادر بالدولار، تشغيل مئات الآلاف في الزراعة والترحيل والحلج، وإعادة السودان تدريجيا إلى خريطة مصدري القطن طويل التيلة.

في اقتصاد يعاني من شح النقد الأجنبي، فإن خسارة شريك قادر على جلب التمويل الخارجي تعني تراجع الصادرات، فالقطن يمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة غير النفطية. وأي تراجع في المساحات المزروعة سينعكس مباشرة على ميزان المدفوعات.
كما تعني زيادة تكلفة الفرصة البديلة، إذ ستلجأ الشركة للسوق المحلي أو لشركاء أقل خبرة بشروط تمويلية أكثر قسوة وفوائد أعلى.
وأخيرا ترسل إشارة سلبية للمستثمرين، فالتقاضي مع شريك استراتيجي يوحي بأن بيئة الاستثمار في قطاع القطن غير مستقرة، ما يصعب جذب شركاء جدد.

إنقاذ شركة السودان للأقطان لا يتم بالبيانات ولا بتبادل الاتهامات. المطلوب أولا تسوية عاجلة لملف متكوت خارج أروقة المحاكم للحفاظ على ما تبقى من علاقات تمويلية.
وثانيا إعادة هيكلة الكوادر، بإعادة المفصولين من الإدارات الفنية فورا، فالشركة لا تتحمل مزيدا من نزيف الخبرات.
وثالثا قبول التمويل السعودي بشروط واضحة وشفافة، وربطه بمشروع قومي لإحياء زراعة القطن.
ورابعا فصل السياسة عن الإدارة، وتحويل الشركة إلى مؤسسة اقتصادية مهنية تدار بمعايير الربح والخسارة لا بمعايير المحاصصات.

القطن لم يعد مجرد محصول نقدي. هو عملة صعبة، وهو تشغيل، وهو استقرار اجتماعي في مناطق الإنتاج. وخسارة شريك بحجم “متكوت” اليوم قد تعني خسارة موسم زراعي، وخسارة الموسم تعني خسارة سنوات من محاولات الإصلاح.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل تدرك إدارة شركة السودان للأقطان أن القرارات التي تتخذ اليوم في قاعة الاجتماعات ستحدد شكل الاقتصاد السوداني لخمس سنوات قادمة؟
أم أن الحسابات الضيقة ستظل مقدمة على المصلحة الوطنية؟

مقالات ذات صلة

إغلاق