Uncategorized
علاءالدين محمد (ابو رناد) يكتب: خروج شركات وطنية بتمويلاتها وعلاقاتها الخارجية يغلق الباب أمام فرص ذهبية للسودان تستفيد منها دول مجاورة

علاءالدين محمد (ابو رناد) يكتب:
خروج شركات وطنية بتمويلاتها وعلاقاتها الخارجية يغلق الباب أمام فرص ذهبية للسودان تستفيد منها دول مجاورة
قد تفكر في بداية جديدة إذا انصلح حال الشركة. العودة ستكون بدافع وطني ليس إلا.
نأسف على الحال المزري الذي وصل إليه قطاع الأقطان الذي لم يقف عند “متكوت” فقط ، بل فقد قبلها رجالاً وطنيين يُشار إليهم بالبنان، أمثال المرحوم عباس الترابي وصلاح المرضي وغيرهم من دهاقنة اتحاد مزارعي السودان. وخلفهم من أمامهم المدير السابق الفذ عابدين محمد علي، الذين شكلوا مع “متكوت” سيمفونية متناغمة أثمرت نجاحات لا تخطئها العين.
1. الخروج الاقتصادي: خسارة تتجاوز الشركة
خروج “متكوت” ليس مجرد إغلاق فرع. هو نزيف عملة صعبة مباشر.
كانت الشركة تستقطب سنوياً ما بين 60 إلى 80 مليون دولار تمويلاً موسمياً من بيوت تجارة عالمية مقابل ضمانات تسليم القطن. هذا التمويل كان يدخل مباشرة في شراء المدخلات، دفع أجور الحلج، وتمويل المزارعين قبل الموسم. بخروجها، انتقلت هذه السيولة بالكامل إلى دول منافسة.
كما أن “شركة السودان للأقطان ” مازالت تمثل “العلامة التجارية” للقطن السوداني. إلا أن متكوت لها علاقات واسعة بشركات الحليج المتطورة للقطن مع شركة بالكان بتركيا ، وفتح مسارات للخيش البنغلاديشي وكل لوازم الحليج ، وأنها خطت خطوات تأسيسية في أدوات الحلج من قطع غيار وخيش ومواد مصاحبة وقطع غيار ، وتوفير ذلك بعقوداً آجلة لثلاث مواسم قادمة وعند تحويل النشاط الى دول أخري يفقد السودان الكثير في عملية تصدير القطن السوداني . اليوم هذه العقود انتقلت الى دول أخرى ، ويصعب استردادها لأن المشتري العالمي لا ينتظر . فقدنا السوق قبل أن نفقد المنتج .
2. تشريح أزمة القطاع: لماذا انهارت السيمفونية؟
الانهيار لم يبدأ بـ “متكوت”. بدأ بتفكك المنظومة التي صنعتها:
– غياب التمويل المؤسسي: بعد رحيل رموز مثل عباس الترابي وصلاح المرضي ضعف دور اتحاد المزارعين في التفاوض على قروض ميسرة. ودخلت البنوك المحلية بعوائد 40% وأكثر، فأصبحت تكلفة الإنتاج أعلى من سعر البيع العالمي.
– انهيار البنية التحتية: المحالج الحكومية تعمل بطاقة 30%. تكلفة ترحيل القنطار من الحقل للمحلج تضاعفت 8 مرات بسبب الوقود. ففقد القطن السوداني ميزته التنافسية في “تكلفة الوصول للميناء”.
– تعدد الجبايات والسياسات: المزارع يدفع رسوماً لسبع جهات قبل التصدير. وفي المقابل لا توجد سياسة سعرية ضامنة. فهربت الشركات الكبرى التي لا تحتمل المخاطرة.
كان عابدين محمد علي يدير الشركة بمنطق “سلسلة قيمة”. يبدأ من البذرة وينتهي في باخرة الصادر. اليوم كل حلقة في السلسلة تعمل بمعزل، والنتيجة فاقد يصل 35% بين الحقل والميناء.
3. الأثر الكلي: ما الذي خسره الاقتصاد القومي؟
1. النقد الأجنبي: القطن كان يمثل 18% من صادرات السودان غير البترولية في 2010. اليوم لا يتجاوز 3%. الفجوة تم سدها بالذهب والدولار العيني، وهما غير مستقرين.
2. التشغيل: كل 100 ألف فدان قطن تشغل 200 ألف عامل موسمي + 15 ألف وظيفة دائمة في الحلج والنقل. بخروج “متكوت” تعطلت 3 محالج رئيسية وحدها.
3. الصناعات التحويلية: مصانع الزيوت والأعلاف والنسيج كانت تعتمد على منتجات القطن الثانوية. انكماشها رفع فاتورة استيراد الزيوت بنسبة 22%.
4. سعر الصرف: تراجع حصيلة الصادر الزراعي ضغط مباشرة على الجنيه، وزاد الطلب على الدولار لاستيراد المنسوجات التي كنا نصدر خيطها سابقاً.
4. هل هناك مخرج؟ شروط العودة الوطنية
العودة ممكنة، لكنها ليست عاطفية. تحتاج لجراحة اقتصادية:
– صندوق ضمان صادر زراعي: بضمان حكومي لإعادة ثقة الممولين الأجانب. بدون ذلك لن تعود “متكوت” ولا غيرها.
– خصخصة ذكية للمحالج*: مع إلزام المستثمر بعقود تمويل المزارعين. نموذج BOT مع شركات عالمية.
– سعر تأشيري مجزي: يغطي التكلفة + 20% هامش ربح، ويُعلن قبل الموسم بـ 4 أشهر لإعطاء المزارع القدرة على التخطيط.
– إعادة إحياء اتحاد المزارعين: كجسم تفاوضي قوي يستعيد دور “دهاقنة” الاتحاد في ضبط الجودة والكميات.
– إعفاءات جمركية وضريبية لمدة 5 سنوات للشركات التي تلتزم بتصدير 70% من إنتاجها.
العودة إن حدثت لن تكون من أجل الأرباح فقط. ستكون بدافع وطني، لأن السودان لا يستطيع أن يعيش على الاستيراد والذهب فقط. نحتاج لصادر مستدام، والقطن هو أسرع طريق لذلك لأنه “محصول نقدي + صناعة + تشغيل”.
خروج “متكوت” يجب أن يُقرأ ككشف حساب. إما أن نعيد كتابة الدفتر بقواعد اقتصاد السوق والدولة الراعية، أو نعلن رسمياً وفاة أطول قصة نجاح زراعي في أفريقيا.
والسؤال الآن ليس “أين ذهبت متكوت؟”
السؤال هو: “هل سنترك الباب مفتوحاً لعودتها، أم سنغلقه بأيدينا؟”
والله المستعان.



