Uncategorized
من أعلي المنصة ياسر الفادني سائلين عليك كل العباد…. الجُونَا مِنَّك والمَشُوا !!
من أعلي المنصة
ياسر الفادني
سائلين عليك كل العباد…. الجُونَا مِنَّك والمَشُوا !!
ليست كل الأغنيات التي تتحدث عن الغياب قادرة على أن تجعل المستمع شريكًا في الحنين، لكن أغنية (سائلين عليك) نجحت في ذلك لأنها قامت على ثلاثية متماسكة، نص شعري رفيع للدكتور أحمد فرح شادول، ولحن ذكي لمجاهد سيمت، وأداء بالغ الإحساس لطه سليمان
منذ المطلع، يضعنا أحمد فرح شادول أمام صورة غير مألوفة، فالسؤال عن الغائب لا يصدر من عاشق واحد، وإنما من الجميع: (سائلين عليك كل العباد) ، هنا يتحول الغياب من حالة شخصية إلى ذاكرة جماعية، وكأن صاحب الغياب ترك أثرًا في كل من مر به أو مر عليه، إنها بداية تمنح الأغنية بعدًا إنسانيًا واسعًا، قبل أن تدخل في تفاصيل العاطفة
يمتلك شادول دائما قدرة لافتة على صناعة الصورة الشعرية، فهو لا يصف الشوق مباشرة، بل يجعله يتحرك في صور نابضة بالحياة، فالأخبار تُستنشق، والسيرة تنعش القلوب، والقمر يستمد نضرته من ملامح الحبيب، والنجوم تبدو مأخوذة بسحره هذه الصور جاءت طبيعية ومنسابة، بعيدة عن الزخرفة اللفظية، لذلك وصلت إلى وجدان المستمع بسهولة
كما أن النص يحافظ على لغته السودانية الرشيقة دون أن يفقد قيمته الأدبية، وهي معادلة لا يجيدها إلا الشعراء الذين يعرفون كيف يحولون المفردة الشعبية إلى شعر رفيع
أما مجاهد سيمت، فقد قرأ النص بعين الملحن لا بعين الموسيقي فقط، أدرك أن قوة القصيدة تكمن في هدوئها، فاختار لحنًا يتدرج في إحساسه، لا يقفز فوق الكلمات ولا يفرض حضوره عليها، جاءت الجمل الموسيقية ناعمة، تتنفس مع كل بيت، وتتصاعد كلما تصاعد الحنين، ثم تعود إلى سكونها وكأنها تترك للمستمع فرصة ليكمل الأغنية بقلبه
اللحن لم يكن مجرد إطار للنص، بل كان شريكًا في صناعة المعنى، لذلك بدت الموسيقى وكأنها تترجم ما بين السطور أكثر مما تعزف ما فوقها، وهي ميزة لا تتحقق إلا في الألحان التي تُكتب بروح الشاعر
ويأتي طه سليمان ليكمل أضلاع هذه اللوحة ، فهو من الأصوات التي تعلمت أن الإحساس يسبق الإمكانات الصوتية، لم يغنِّ الأغنية باستعراض طبقات صوته، وإنما غناها بصدق، فكان يهمس حين يحتاج النص إلى الهمس، ويرفع نبرته حين يستدعي المعنى ذلك، دون مبالغة أو افتعال
أكثر ما يميز أداء طه سليمان هنا هو احترامه للكلمة، فقد منح كل عبارة حقها من الإحساس، وجعل المستمع يسمع الشعر بوضوح قبل أن يطرب للنغم. وهذا النوع من الأداء هو الذي يمنح الأغنية عمرًا أطول، لأن المستمع يعود إليها من أجل المعنى كما يعود إليها من أجل الصوت
إني من منصتي استمع حيث آقول (سائلين عليك) تقدم درسًا في التكامل الفني، شاعر كتب بإحساس المثقف، وملحن صاغ موسيقى تعرف حدودها فلا تطغى، ومطرب أدرك أن الأغنية الجميلة لا تُؤدى بالحبال الصوتية وحدها، وإنما بالقلب أيضًا ولذلك بقيت الأغنية واحدة من الأعمال التي كلما استمعت إليها شعرت أنها لا تُغنى عن غائب واحد، بل عن كل غياب ترك في القلب مكانًا لا يملؤه أحد.




