Uncategorized
من أعلى المنصة ياسر الفادني جاي يعمل تاني إيه؟

من أعلى المنصة
ياسر الفادني
جاي يعمل تاني إيه؟
بعض الأغنيات لا تحتاج إلى ضجيج كي تستقر في الوجدان؛ يكفي أن تلامس جرحاً قديماً، أو تستدعي حكاية ظننا أننا نسيناها. (هو الاختار دنيتو) لمحمود عبد العزيز واحدة من تلك الأغنيات التي تتكئ على بساطة العبارة، لكنها تفتح داخل المستمع أبواباً واسعة للحنين والعتاب والخذلان.
منذ المطلع: (هو الاختار دنيتو.. هو المخير في اختياره) يختار النص طريقاً مختلفاً؛ لا استجداء فيه ولا انكسار. الحبيب اختار طريقه، وعليه أن يتحمل اختياره. ثم تأتي الأسئلة: (جاي يعمل تاني إيه؟ وجاي عايز مني إيه؟) لتعلن أن الباب الذي كان مفتوحاً للحب أصبح مغلقاً أمام العودة
جمال الأغنية يتجلى أكثر في صورها البسيطة والعميقة: (وكان فؤاد ملك يمينو والغرام بيناتنا حي؟)، ثم (عدّى راح زمن الندم.. ذكرى ضماها العدم). هنا يتحول الحب من واقع إلى ذكرى، ومن حضور إلى شيء طوته الأيام، إنها ليست كراهية للماضي، وإنما مصالحة معه بعد أن انتهى
وفي المقطع الأجمل، يتحول العاشق من مقاومة الحب إلى التسليم للقدر: (إلا القدر مسك إيدي.. بدل الحال العلي.. ساقني من حبك ونارو). وكأن الإنسان، مهما ظن أنه قادر على التحكم في قلبه، يظل في النهاية مسوقاً بأقدار لا يملك أمامها إلا القبول
ثم تخرج الأغنية من خصوصية الحبيبين إلى حكمة أوسع: (في درب الهوى ناس تعيش في وهم كبير.. فاكرة إنو الحب دوا). وهنا تكمن فلسفة النص؛ فالحب ليس دائماً علاجاً، وقد يكون أحياناً أكثر الأشياء إيلاماً حين يتحول إلى وهم
اني من منصتي ….استمع حيث آقول: إن الراحل المقيم محمود عبد العزيز، قد منح الكلمات حياة أخرى. بصوته المليء بالشجن، لم يغنِّ النص كحكاية تمر ، بل جعله يبدو كاعتراف شخصي، ولذلك بقيت الأغنية قريبة من وجدان المستمع السوداني؛ لأنها تتحدث بلغته، وبمشاعره، ومن دون تكلف.
هو الاختار دنيتو أغنية عن استعادة الكرامة بعد الحب، وعن شخص كان قلبه يوماً (ملك يمين) محبوبه، ثم امتلك شجاعة أن يقول له: اخترت طريقك… وأنا اخترت طريقي.


