Uncategorized
الراتب الـكبير. جدار عازل بين المسؤول والمواطن بقلم / علاء الدين محمد ابكر

الراتب الـكبير. جدار عازل بين المسؤول والمواطن
بقلم / علاء الدين محمد ابكر
تخيل معي مسؤولاً في دولة ما يتقاضى 44 مليون جنيه راتباً شهرياً. رقم فلكي لا يكفيه شهر لينفقه، حتى لو أراد. السؤال هنا: هل سيشعر هذا المسؤول يوماً بارتفاع الأسعار؟ هل سيقف في صف الغاز؟ هل سيبحث عن بديل لانقطاع الكهرباء؟ هل سيعرف طعم “مرقة ماجي” التي صارت اليوم وجبة رئيسية لآلاف الأسر بعد أن صار اللحم حلماً بعيد المنال؟
الإجابة واضحة. هذا المسؤول لن يعاني. سيتعالج في أرقى المراكز الطبية الخاصة داخل وخارج البلاد، ولن يدخل مستشفى حكومي إلا في زيارة بروتوكولية. سيأكل خبزاً طازجاً ولحماً وخضاراً يومياً، ولن يذوق “الملاح البلدي” إلا إن اشتهاه مرة في السنة. أبناؤه في مدارس خاصة، وعلاجه مؤمن، وحجه على نفقة الدولة، وسيارته معفاة من الجمارك، وبيته محمي بكل الامتيازات. باختصار، إنه يعيش في جزيرة معزولة داخل الوطن. جزيرة لا يصلها صوت السوق ولا لهب الأسعار ولا أنين المواطن.
فكيف نطلب منه إصلاحاً؟ كيف نتوقع ممن لا يعرف سعر رغيفة الخبز أن يضع سياسة لمحاربة الغلاء؟ كيف نطلب ممن لم يركب مواصلات عامة منذ عشرين عاماً أن يفكر في أزمة الوقود؟ كيف ننتظر من راتبه 44 مليون أن يشعر بموظف راتبه لا يتجاوز 80 ألف ولا يكفيه أسبوعاً؟
الفجوة هنا ليست مالية فقط، بل فجوة وجدانية وأخلاقية. المسؤول الذي لا يتألم لا يبتكر حلاً. ومن لا يجوع لا يفهم الجائع. ومن لا يمرض في المستشفى الحكومي لن يهتم بتطويره. لذلك فشلت كل خطط “كبح جماح السوق” و “محاربة جشع التجار”. لأن من يصدر القرار يعيش في عالم آخر. عالم لا يعرف فيه أن سعر البصل تضاعف ثلاث مرات في شهر، ولا أن رب الأسرة صار يختار بين الدواء والطعام.
إن أول عملية إصلاح حقيقية لا تبدأ من المواطن، بل تبدأ من خفض رواتب المسؤولين وامتيازاتهم. يجب أن يكون هناك سقف أعلى للأجور لا يتجاوز المليون جنيه. وأن لا تتجاوز الفوارق بين أعلى راتب وأدناه في الدولة المائة ألف جنيه. لماذا؟ حتى يشعر الجميع بما يشعر به الناس. حتى يضطر ابن المسؤول للدراسة في المدرسة الحكومية مثل ابن الغفير. وحتى يتعالج المسؤول في المستشفى الذي يعالج فيه المواطن البسيط. وحتى يلغي الحج على نفقة الدولة، والإعفاءات الجمركية، والعربات الفارهة، وكل مظاهر الترف التي تبني جداراً عازلاً.
عندها فقط سيتحول المسؤول من “متفرج” إلى “متأثر”. سيشعر بارتفاع سعر السكر لأنه سيشتريه من جيبه. سيعرف أزمة المواصلات لأنه سيضطر لاستخدامها. سيعرف معنى انقطاع الدواء لأنه سيقف في نفس الصف.
العدالة لا تتحقق بالخطابات. العدالة تبدأ بأن يتساوى الجميع في المعاناة قبل أن يتساووا في الحقوق. طالما أن هناك من يتقاضى 44 مليون ويعيش في برج عاجي، فسيظل السوق يرتفع، وسيظل التاجر يزداد جشعاً، وسيظل المواطن هو وحده من يدفع الثمن. نريد مسؤولين يشعرون، لا مسؤولين يُحصون. نريد من يأكل مما نأكل، ويتعالج حيث نتعالج، ويعيش كما نعيش. حينها فقط يمكننا أن نصدق أن هناك نية حقيقية للإصلاح.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com

