Uncategorized
فيروز.. الصوت الذي لن يتكرر قريباً بقلم/ علاء الدين محمد ابكر

فيروز.. الصوت الذي لن يتكرر قريباً
بقلم/ علاء الدين محمد ابكر
ليس من المنطق أن نحكم على المستقبل قبل أن يأتي. لكن ثمة أصوات في التاريخ تفرض علينا الاعتراف الآن، لا لاحقاً، بأنها استثناء. وصوت السيدة فيروز واحد من هذه الأصوات. صوت جميل طروب، نادر، يصعب أن يتكرر قريباً إلا إذا حدثت معجزة بظهور صوت جديد يفوقها إجادةً. وإلى أن يأتي ذلك الزمان، علينا أن نعترف بإنصاف: صوت السيدة فيروز لن يتكرر.
لا نحتاج إلى تذكير القراء بسيرة السيدة فيروز. اسمها وحده يكفي. هي حاضرة في ذاكرة كل عاشق للفن، في البيوت، وفي الإذاعات، وفي الصباحات التي بدأت بكلمة “صباح الخير يا جارة”.
نعم، تراجعت نسبة الاستماع بين الجيل الحالي الذي يفضل المقاطع القصيرة، وينظر إلى أغاني “الزمن الجميل” على أنها مضيعة للوقت. وهذا اعتقاد خاطئ. فالأغاني القديمة كُتبت بعناية فائقة، ولُحنت باحترافية عالية، وقدّمتها أصوات خالدة. السيدة أم كلثوم، وليلى مراد، وأسمهان، وصباح… ومن بينهن بلا شك السيدة فيروز. يكفي أن نشير إلى تجربة “مدرسة الرحبانية” التي خرجت درراً من الأعمال الفنية التي لا تزال تُدرّس وتُغنى حتى اليوم.
فيروز ليست صوتاً فقط، فيروز وطن. صوتها يشبه الفجر أول ما يكسر عتمة الليل. نقي، صافٍ، لا يتكلف ولا يتصنع. تدخل إلى الكلمة فتخلع عنها الغبار، وتمنحها روحاً جديدة. تغني للحب فتصدقه، وتغني للوطن فتبكيه، وتغني للطفولة فتعيدنا إليها. في صوتها عتاب رقيق لا يجرح، وفرح هادئ لا يضج، وحزن نبيل لا يستجدي الشفقة.
هي التي جعلت من اللهجة اللبنانية لغة عالمية يفهمها العربي في الخرطوم كما يفهمها في بغداد والدار البيضاء. حولت “سهر الليالي” و”نسم علينا الهوا” و”زهرة المدائن” إلى أناشيد وجدانية يحفظها من لا يعرف حتى أين تقع بيروت.
فيروز مدرسة في الانضباط والذوق. لم تتاجر بصوتها، ولم تبتذل فنها. اختارت الصمت الطويل على الكلام الفارغ، واختارت الجودة على الضجيج. لذلك بقيت. صوتها لا يشيخ، لأن الصدق لا يشيخ. كلما عدنا إليه وجدناه كما تركناه: شاباً، مشرقاً، قادراً على أن يرمم ما كسره الزمن فينا.
الفن العربي كان دائماً واجهة للأحداث الزمانية التي شهدتها المنطقة. وبخلاف الغناء، نجد الدراما أيضاً حفلت بمواقف وقص تسير في ذات النهج. وهنا تتميز فيروز. لم تكتفِ بالغناء فحسب، بل كانت نجمة على المسرح والسينما. قدمت “صح النوم” و”بياع الخواتم” و”لولو” فأثبتت أن المسرح الغنائي العربي يمكن أن يكون ملحمة شعبية راقية. هذا ما ميّز ذلك الجيل الجميل من المبدعين: الفنان الشامل الذي يغني، ويمثل، ويحمل قضية، ويصنع وجدان أمة.
وعن تجربتي الشخصية، أحرص قبل النوم على الاستماع إلى أغاني الراحلة السيدة أم كلثوم. أترك صوتها يضمّد تعب اليوم، ويأخذني إلى هدوء عميق. وعند الاستيقاظ، أحرص كذلك على أن أبدأ يومي بصوت السيدة فيروز. وبما أني من عشاق الراديو، فدائماً ما أحرك المؤشر عند إذاعة بيروت لأجل سماع السيدة فيروز. هناك، بين الترددات، أجد الصباح الحقي.
الاستماع إلى صوت السيدة فيروز يجعل الروح تسمو وتعانق السماء. فيه دفء الصباح، وهدوء الجبل، وحنين البعيد. وصدق أهل لبنان عندما قالوا عنها إنها “سفيرتهم إلى النجوم”.
هي ليست مجرد مطربة. هي حالة. هي ذاكرة جماعية. هي الصوت الذي إذا غاب، بقي صداه يربّي الأجيال.
ولأن المعجزات نادرة، ولأن الأصوات العظيمة لا تُصنع كل يوم، سنظل نقولها دون مبالغة: فيروز… الصوت الذي لا يتكرر قريباً.
أعطني الناي وغني
فالغناء سر الخلود
ورنين الناي يبقى
بعد أن يفنى الوجود
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



